بقلم ابراهيم محمد (غزة فلسطين)


بعد سنوات طويلة من الحرب المستمرة والدمار الذي طال الملاعب والمنشآت الرياضية، تعود كرة القدم في قطاع غزة لتشق طريقها من بين الركام، حاملة معها رسالة صمود تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.

وتجمع 24 فريقا مجددا على أرض ثلاثة ملاعب فقط، في محاولة لاستعادة نبض اللعبة التي شكلت لعقود مساحة للفرح والانتماء والهروب المؤقت من واقع قاسٍ أثقل كاهل الغزيين.

ورغم غياب الكثير من الملاعب التي تحولت إلى أنقاض، ونقص الإمكانات والتحديات اللوجستية، يصر اللاعبون والأندية على إعادة إطلاق صافرة البداية، مؤكدين أن كرة القدم لم تكن مجرد مباراة، بل جزءا من ذاكرة المجتمع وروحه، ومن فوق الركام، تعود المستديرة لتروي قصة شعب يتمسك بالحياة، ويبحث بين الدمار عن مساحة أمل جديدة.

وتحظى كرة القدم بشكل عام بشعبية واسعة في غزة، إذ يتابع آلاف المشجعين عبر شاشات تلفزيون قليلة تنتشر وسط الخيام المباريات العربية والدولية، رغم انتهاء بعضها في أوقات متأخرة وما يشكّله ذلك من مخاطر في ظل عمليات القصف الإسرائيلي بين الحين والآخر.

الرياضة تنهض من الركام

ويؤكد رئيس نادي رفيق السالمي الرياضي في قطاع غزة يوسف سالم أن: “عودة البطولات الكروية تمثل خطوة مهمة لاستعادة النشاط الرياضي بعد فترة طويلة من التوقف فرضتها الحرب، مشيرا إلى أن الأندية تحاول اليوم إعادة بناء حضورها رغم الظروف القاسية ونقص الإمكانات”.

ويقول سالم أن: “إطلاق المنافسات من جديد لا يقتصر على الجانب الرياضي فقط، بل يحمل قيمة معنوية كبيرة للشباب والجماهير الذين حرموا طوال عامين من أجواء الملاعب، معتبرًا أن كرة القدم أصبحت مساحة لاستعادة بعض مظاهر الحياة الطبيعية وسط واقع مليء بالخسائر والمعاناة”.

ويضيف أن: “القطاع الرياضي تعرض لضربة قاسية خلال الحرب، بعدما طال الدمار عددا كبيرا من المنشآت والمرافق الرياضية، ما أدى إلى فقدان العديد من الملاعب وتجهيزات الأندية، فضلا عن خسارة عدد من اللاعبين والمدربين الذين كانوا يشكلون جزءا أساسيا من الحركة الرياضية في غزة”.

ويشير إلى أن: “الأندية تواجه تحديات كبيرة في إعادة ترتيب صفوفها، من نقص الملاعب والتجهيزات إلى الصعوبات المالية التي تعيق الاستعداد للمنافسات، إلا أن إصرار اللاعبين والإداريين والجماهير يشكل دافعا للاستمرار وعدم السماح بتوقف الحياة الرياضية”.

ويؤكد سالم أن: “الإقبال الجماهيري على المباريات يعكس حاجة الناس إلى لحظات من الفرح والابتعاد ولو مؤقتا عن آثار الحرب والنزوح، موضحا أن المدرجات التي عادت لاستقبال المشجعين تحمل رسالة بأن الرياضة قادرة على منح المجتمع طاقة أمل رغم حجم الدمار”.

ويلفت أن: “كرة القدم في غزة تجاوزت كونها منافسة داخل المستطيل الأخضر، لتصبح وسيلة للدعم النفسي والاجتماعي، ومتنفسا للشباب الذين يبحثون عن مساحة تجمعهم بعيدا عن ضغوط الواقع اليومي”.

ويختتم رئيس النادي حديثه بالقول أن: “عودة الفرق إلى الملاعب، حتى في ظل الإمكانات المحدودة، تؤكد قدرة الرياضيين على النهوض من بين الركام، والحفاظ على شغفهم باللعبة التي بقيت جزءا من ذاكرة المجتمع الغزي وهويته”.

لاعبون فوق الألم

من جهته، يقول أحمد النجار، لاعب فريق نادي الشمس الرياضي، أن: “العودة إلى المنافسات بعد سنوات الحرب الطويلة تمثل أكثر من مجرد استئناف للنشاط الكروي، فهي محاولة لاستعادة جزء من الحياة التي توقفت، وإعادة الأمل إلى اللاعبين والجماهير الذين فقدوا الكثير خلال الفترة الماضية”.

ويضيف النجار: “اللاعبين يدخلون أرض الملعب وهم يحملون ذكريات مؤلمة خلفهم، بعدما فقد كثير منهم أقارب وأصدقاء وزملاء رياضيين خلال الحرب، مؤكدا أن استمرار كرة القدم يمثل تكريما لمن غابوا، وتمسكا بالحلم الذي لم تستطع الظروف القاسية إيقافه”.

ويشير إلى أن: “التدريبات والمباريات أصبحت متنفسا نفسيا للاعبين بعد سنوات طويلة من الخوف والنزوح والضغوط، موضحا أن العودة للملاعب تمنح اللاعبين فرصة لاستعادة روح الفريق والانتماء، رغم غياب الكثير من الإمكانات الأساسية”.

ويؤكد اللاعب أن: “الأندية في غزة تواجه تحديات كبيرة، من نقص التجهيزات وصعوبة توفير الاحتياجات الرياضية، إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي أثرت على اللاعبين والعاملين في القطاع الرياضي، إلا أن الإصرار على استمرار اللعبة كان أقوى من كل العوائق”.

ويعرب النجار عن أمله في أن تشكل هذه البطولة بداية حقيقية لعودة الرياضة الفلسطينية في غزة، وأن تتواصل المسابقات خلال المرحلة المقبلة بما يعيد للأندية حضورها وللجماهير شغفها بكرة القدم.

ويؤكد النجار أن: “كرة القدم اليوم ليست مجرد منافسة على الفوز، بل مساحة للتماسك والصمود، ورسالة بأن الرياضيين في غزة قادرون على النهوض مجددا، حتى فوق أنقاض الملاعب التي فقدوها”.

صافرة بعد الغياب

وكانت جميع الأنشطة الرياضية توقفت خلال عامين بسبب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بدعم أمريكي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي بدأتها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وانتهت بوقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لكن تل أبيب تخرقه يوميا.

وبدت المباريات كبقعة ضوء وسط الظلام، تعيد نبضا افتقدته المدينة طويلا، وعلى أطراف الملعب تجمع عشرات المشجعين من مختلف الأعمار يهتفون ويصفقون بحماس أعاد للمكان شيئاً من روحه.

وتمثل عودة عجلة الرياضة في غزة بارقة أمل جديدة في ظل المعاناة المتواصلة، فضلا عن كونها إحياء جزئيا لمصدر رزق المئات من اللاعبين والمدربين والعاملين في القطاع الرياضي وعائلاتهم.

ويُشرف الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم على تنظيم البطولة التنشيطية، التي تقام على 3 ملاعب صغيرة فقط سلمت من التدمير، بمشاركة 24 ناديا من الدرجتين الممتازة والأولى بمختلف مناطق القطاع.

وقتلت إسرائيل خلال الحرب، أكثر من 1007 فلسطينيين من منتسبي الحركة الرياضية والشبابية والكشفية بينهم 45 سيدة وفقدان 5 آخرين، فيما دمرت 265 منشأة رياضية، وفق اللجنة الأولمبية الفلسطينية.

ويتوزع هؤلاء الضحايا على 34 اتحادا ومؤسسة رياضية، بينهم لاعبون ومدربون وحكام وإداريون وكوادر مختلفة.

فيما خلفت الإبادة الجماعية إجمالا أكثر من 72 ألف قتيل ونحو 172 ألف جريح فلسطيني، ودمارا واسعا طال 90 في المئة من البنى التحتية المدنية.


قد يهمك أيضا:

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *