بقلم ابراهيم محمد (غزة، فلسطين)
في زاوية صغيرة داخل صالة رياضية متواضعة في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، كان صوت اللكمات يتردد بقوة رغم الضجيج القادم من الخارج، فأكياس الرمل المعلقة تتحرك بعنف تحت ضربات شاب نحيل الجسد، متماسك الملامح، يقف بثبات أمامها كأنه يواجه خصما غير مرئي، وبعين واحدة يراقب حركته في المرآة، وبالأخرى الغائبة يختزن حكاية حرب كاملة.
ذلك الشاب هو الملاكم الفلسطيني سميح سعود (19 عاما)، أحد الرياضيين الذين سرقت منهم الحرب أجزاء من أجسادهم، لكنها عجزت عن انتزاع أحلامهم.
حكاية ألم وصمود
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تبدلت حياة سميح بصورة جذرية، حيث فقد منزله، وتنقل مع عائلته بين مراكز الإيواء والخيام، وخسر مدربه وأصدقاءه، ثم فقد عينه إثر شظية صاروخ أصابته خلال قصف استهدف مدرسة تؤوي نازحين، ومع ذلك، لا يزال يرتدي قفازيه يوميا، ويتمسك بالتدريب وكأن الحلبة آخر ما تبقى له من الحياة الطبيعية.
ويقول سميح خلال حديث مطول: “في البداية كنت أعتقد أن الإصابة مؤقتة، وأنني سأعود سريعا إلى التدريبات والمنافسات، لكن الأيام كانت أصعب مما توقعت، وعندما أخبرني الأطباء أن بصري يتلاشى تدريجيا شعرت أن كل شيء انهار دفعة واحدة”.
ويتابع بصوت متماسك يخفي خلفه قدرا هائلا من الألم: “الملاكمة بالنسبة لي لم تكن مجرد رياضة، بل كانت مشروع حياتي بالكامل، وكنت أعيش يومي على أمل أن أرفع اسم فلسطين في البطولات الدولية، وفجأة وجدت نفسي عاجزا عن رؤية نصف العالم”.
وقبل الحرب، كانت عائلة سميح تقيم في مخيم البريج وسط القطاع، ومع تصاعد القصف، اضطرت العائلة للنزوح أكثر من مرة بحثا عن مكان آمن، متنقلة بين مدارس وخيام ومنازل أقارب.
ويستعيد سميح تلك الأيام قائلا: “كنا نخرج من منطقة إلى أخرى دون أن نعرف أين سنستقر، وفي كل مرة كنا نحمل ما استطعنا من الملابس ونغادر سريعا، ولم يكن هناك وقت للتفكير أو حتى للخوف، وكنا فقط نحاول النجاة”.
ويضيف: “أصعب ما في النزوح ليس فقدان البيت فقط، بل شعورك بأنك أصبحت بلا مكان، فكنت أرى أطفالا ينامون على الأرض، وعائلات كاملة تنتظر الطعام لساعات طويلة، فالحرب جعلتنا نعيش تفاصيل لم نكن نتخيلها”.
وخلال إحدى موجات النزوح، لجأت العائلة إلى مدرسة تحولت إلى مركز إيواء مكتظ بالنازحين، وهناك وقعت اللحظة التي غيرت حياته بالكامل، وفي تلك الليلة كان القصف عنيفا جدا، يقول سميح.
فقد البصر ولم يفقد الحلم
ويواصل: “سمعنا انفجارا ضخما، ثم شعرت بحرارة قوية وضربة مباشرة في وجهي، ولم أكن أفهم ما الذي حدث، فكل شيء حولي كان مليئا بالدخان والصراخ”.
ويصمت للحظات قبل أن يكمل: “عندما حاولت فتح عيني لم أعد أرى بشكل واضح، وكنت أشعر أن شيئا يغرس داخل وجهي، وتم نقلى إلى المستشفى وسط حالة من الفوضى، وهناك بدأت رحلة العلاج الطويلة”.
وداخل المستشفيات المزدحمة بالمصابين، لم يكن علاج إصابة سميح سهلا، فنقص المعدات الطبية والأدوية، وانهيار المنظومة الصحية بفعل الحرب، جعل الأطباء عاجزين عن إجراء تدخل جراحي متكامل.
ويتابع: “الأطباء حاولوا إنقاذ عيني، لكن الإمكانيات كانت شبه معدومة، فالشظية استقرت داخل العين، والنزيف استمر لفترة طويلة، ولاحقا أخبروني أنني فقدت البصر بشكل كامل، ورغم ذلك، لم أتخلى عن حلمي بالعودة إلى الحلبة”.
وفي الصالة الرياضية الصغيرة بالزوايدة، يواصل سميح تدريباته بشكل يومي، متكيفا مع واقعه الجديد، ويتحرك بحذر أكبر، ويعتمد على سمعه وتركيزه لتعويض فقدان الرؤية.
ويشير بابتسامة خفيفة: “في البداية كنت أفقد توازني كثيرا، فالملاكمة تعتمد على دقة النظر وسرعة رد الفعل، وعندما تخسر عينا تصبح المسافات مختلفة تماما، لكنني أقنعت نفسي أن التوقف يعني الهزيمة الحقيقية”.
ويوضح: “أحيانا أشعر بإرهاق شديد بعد دقائق قليلة من التدريب، لكنني أرفض الاستسلام، وعندما أرتدي القفازات أشعر أنني ما زلت قادرا على القتال، ليس داخل الحلبة فقط، بل في الحياة كلها”.
حلم لا يهزم في غزة
وبدأ سميح ممارسة الملاكمة وهو في الثانية عشرة من عمره، وسرعان ما برز اسمه في البطولات المحلية داخل غزة، وحقق عدة ألقاب في أوزان مختلفة، وتم اختياره ضمن وفود رياضية لتمثيل فلسطين في بطولات خارجية.
ويبين: “قبل الحرب كنت أستعد للسفر للمشاركة في بطولة خارجية، وكنت أحلم أن أرفع علم فلسطين على منصة التتويج، لكن الحرب أوقفت كل شيء، وبالرغم من إصابتى، لا زلت متمسكا بذلك الحلم”.
ويؤكد: “أريد أن أتعالج، وأن أعود للمنافسات من جديد، وأريد أن يعرف العالم أن غزة لا تنجب الضحايا فقط، بل تنجب أشخاصا يتمسكون بالحياة رغم كل شيء، فربما تغير الطريق، لكن الهدف لم يتغير”.
ولم تكن إصابة سميح حالة استثنائية داخل غزة، فالحرب تركت آثارا قاسية على الرياضيين الفلسطينيين، بين شهداء وجرحى وتدمير للملاعب والصالات الرياضية، لكنه يرى أن الرياضة ما تزال وسيلة للمقاومة والصمود.
ويقول: “الحرب تستطيع أن تدمر المباني، لكنها لا تستطيع قتل الإرادة، وكل مرة أدخل فيها الصالة أشعر أنني أستعيد جزءا من نفسي”.
وينظر سميح نحو كيس الملاكمة المعلق أمامه قبل أن يضيف: “أحيانا أتخيل أنني أقاتل الخوف نفسه، وأريد أن أعيش، وأن أعود بطلا مهما حدث”.
وفي غزة، حيث تتراكم الحكايات الثقيلة فوق الركام، تبدو قصة سميح سعود أكثر من مجرد قصة رياضي فقد عينه، إنها حكاية شاب يحاول أن ينتزع لنفسه مكانا في الحياة، بعين واحدة، وقلب لم تنجح الحرب في كسره.
وفي 26 أغسطس/آب الماضي، قال رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب، إن الرياضة الفلسطينية تعيش كارثة غير مسبوقة بعد فقدها “774 شهيداً”، جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.
وأوضح الرجوب أن “إجمالي شهداء الحركة الرياضية والكشفية بلغ 774 شهيداً، بينهم 355 شهيداً من لاعبي كرة القدم و277 شهيداً من الاتحادات الرياضية و142 شهيداً من الكشافة الفلسطينية، إضافة إلى 119 مفقوداً”، وأضاف: “كما بلغ عدد شهداء الإعلام الرياضي 15 شهيداً”، وبين أن 288 منشأة رياضية في الضفة الغربية وقطاع غزة تعرضت للدمار الكلي أو الجزئي.
وفي غزة، دمر القصف الإسرائيلي ملاعب كرة القدم بشكل كامل، ومقرات الاتحاد واللجنة الأولمبية وعددا من الأندية، بينها خدمات الشاطئ وخدمات رفح واتحاد خانيونس، فضلا عن استهداف منشآت رياضية أخرى في مناطق متعددة، حيث بلغ عدد المنشآت المدمرة في القطاع 269 منشأة كليا او جزئيا.
