بقلم عبدالرحيم محراش

قبل تحطيم سعيد عويطة الرقم العالمي لسباق 1500 متر في برلين، كان قد خاض، قبل ثلاثة أيام، تحديا كبيرا في زيوريخ السويسرية، حين حاول تحطيم رقمين قياسيين عالميين في الوقت نفسه، خلال سباق الميل، إذ كان يطمح إلى انتزاع الرقم العالمي للميل، مع المرور عند حاجز 1500 متر بزمن يقل عن الرقم العالمي المسجل آنذاك.
لكن المغامرة لم تكتمل كما أرادها البطل المغربي. فقد أنهى سباق الميل في زمن قدره 3:46.93 د، متخلفا بفارق 61 جزءا من المائة من الثانية عن الرقم العالمي للبريطاني ستيف كرام، البالغ 3:46.31 د، فيما لم يتمكن أيضا من تحطيم الرقم العالمي لسباق 1500 متر.
وبعد السباق، أقر عويطة بأنه ربما بالغ في طموحه بمحاولة انتزاع الرقمين العالميين خلال سباق واحد، موضحا أنه فقد تركيزه في الأمتار الأخيرة، بعدما انشغل بالتفكير في الرقم القياسي بدلا من التركيز على الركض نفسه.

لكن خيبة زيوريخ لم تستمر طويلا، إذ كان الموعد مع التاريخ ينتظره في برلين.

برلين.. ليلة تحطيم الرقم العالمي

مساء الجمعة 23 غشت 1985، وعلى مضمار الملعب الأولمبي في برلين، عاد عويطة ليخوض تحديا جديدا، واضعا نصب عينيه الرقم العالمي لسباق 1500 متر، الذي كان بحوزة البريطاني ستيف كرام، بزمن قدره 3:29.67 د، سجله في نيس الفرنسية يوم 16 يوليوز من العام نفسه.

كان عويطة يبلغ 24 عاما، وقد دخل السباق وهو يعاني من إصابة في العضلة الخلفية للفخذ الأيمن،
ورغم الإصابة، دخل السباق مصمما على انتزاع الرقم العالمي.

وجاء السباق محسوبا بدقة، بمساعدة عداءين توليا ضبط الإيقاع في مراحله الأولى. فقد قاد الألماني فولكر بلومنتال المجموعة خلال اللفة الأولى، التي قطعها في 56.80 ثانية، وكان عويطة حينها في المركز الثالث.

وعند اجتياز حاجز 800 متر، كان الزمن المسجل دقيقة واحدة و53.50 ثانية، قبل أن يتولى العداء الإيرلندي فرانك أومارا قيادة المجموعة في المرحلة الموالية، التي انتهت عند علامة 1200 متر في زمن قدره دقيقتان و48.50 ثانية.
في اللفة الأخيرة، أطلق عويطة العنان لسرعته، ليندفع بقوة نحو خط النهاية، ويعبره بزمن قياسي عالمي قدره 3:29.45د، محطما الرقم العالمي لستيف كرام بفارق 22 جزءاً من المائة من الثانية.

وحل الأمريكي سيدني ماري في المركز الثاني بزمن 3:32.90د، فيما جاء السويسري بيير ديليز ثالثا بتوقيت 3:33.04 .

وبهذا الإنجاز، حقق عويطة ثاني رقم قياسي عالمي له خلال الموسم نفسه، بعدما كان قد حطم الرقم العالمي لسباق 5000 متر في أوسلو يوم 27 يوليوز، بتوقيت 13:00.40 د

دموع الفرح.. وخيبة الأمل

المثير في قصة ذلك المساء أن عويطة، رغم دخوله التاريخ، لم يكن راضيا تماما عما حققه.
فبعد عبوره خط النهاية ورفعه قبضته احتفالا بالإنجاز، بدا متأثرا إلى حد ذرف الدموع خلال جولة النصر. وكان يتألم أيضا بسبب إصابته، حتى إنه بدأ يعرج أثناء الركض.
وعندما سئل عن شعوره بعد تحطيم الرقم العالمي، أكد أنه كان قادرا على تحقيق زمن أفضل لولا الإصابة، معتبرا أنه كان يستطيع تسجيل 3.27.5د.

لقد كان ذلك دليلا على العقلية الاستثنائية التي ميزت البطل المغربي، إذ لم يكن يكتفي بتحقيق الإنجاز، بل كان يتطلع دائما إلى ما هو أبعد منه.

ولم يتوقف طموحه عند الأرقام القياسية، فقد كان عويطة يتصدر ترتيب الجائزة الكبرى لألعاب القوى، وكان يطمح إلى التتويج بلقبها. ولهذا، واصل المنافسة رغم إصابته، وخاض سباقين إضافيين بعد إنجازه في برلين، وتمكن من الفوز بهما.
غير أن إصراره على مواصلة الركض رغم الإصابة كلفه الكثير، إذ تفاقمت الإصابة، واضطر في نهاية المطاف إلى الانسحاب من النهائي الذي أقيم في روما، ليضيع عليه لقب الجائزة الكبرى في موسم تألق فيه بصورة استثنائية، وخرج منه برقمين قياسيين عالميين.

وهكذا، جمع موسم عويطة بين المجد العالمي وخيبة عدم إكمال مشواره نحو لقب الجائزة الكبرى، في صورة تختصر طموح عداء لم يكن يرضى بالقليل، حتى عندما كان جسده يطالبه بالتوقف.

موعد ملكي مؤجل.. من أجل صناعة التاريخ

وكادت مشاركة عويطة في ملتقى برلين أن تلغى، بعدما طلب منه الملك الحسن الثاني، رحمه الله، العودة إلى المغرب لاستقباله ومكافأته على إنجازه المتمثل في تحطيم الرقم القياسي العالمي لسباق 5000 متر.
لكن بعد مفاوضات ومكالمات هاتفية، جرت إعادة جدولة الموعد الملكي، ليتسنى للبطل المغربي المشاركة في ملتقى برلين، حيث نجح في تحطيم الرقم العالمي لسباق 1500 متر.
وهكذا، التقى عويطة الملك الحسن الثاني لاحقا وهو يحمل في رصيده إنجازين عالميين تحققا خلال أقل من شهر، بعدما انتقل من تحطيم الرقم العالمي لسباق 5000 متر في أوسلو إلى انتزاع الرقم العالمي لسباق 1500 متر في برلين.

لقد كانت تلك المرحلة من أبرز محطات مسيرته، إذ لم يعد عويطة مجرد بطل أولمبي توج بذهبية 5000 متر في لوس أنجلوس عام 1984، بل أصبح عداء قادرا على فرض اسمه على الأرقام العالمية في مسافات مختلفة، في زمن كانت فيه المنافسة على أشدها بين كبار عدائي العالم.

من زيوريخ، حيث أفلت منه الرقمان العالميان، إلى برلين، حيث نجح في انتزاع رقم 1500 متر، وصولا إلى سباقه مع الإصابة وطموحه نحو الجائزة الكبرى، رسم سعيد عويطة ملامح بطل استثنائي، لم تكن الأرقام بالنسبة إليه مجرد أزمنة تسجل، بل تحديات جديدة لا تتوقف.


قد يهمك أيضا:

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *