بسام العلبوشي (تونس) – خبير في التنمية الرياضية المجتمعية والإدماج الاجتماعي عبر الرياضة
بومهل – بن عروس: في وقت أصبحت فيه الرياضة، وخاصة كرة القدم، أكثر من مجرد ممارسة بدنية أو منافسة على النتائج، تبرز أكاديمية بومهل الرياضية لكرة القدم كمبادرة تسعى إلى بناء تجربة مختلفة، تجعل من كرة القدم فضاءً للتكوين، والانضباط، واكتشاف المواهب، وتعزيز القيم لدى الناشئة.
الأكاديمية، التي تعمل في إطار الجمعية التونسية للقوى الفاعلة (ATFA)، انطلقت برؤية واضحة تقوم على أن تكوين لاعب كرة القدم لا يقتصر على الجانب الفني، بل يشمل أيضاً تكوين شخصيته وتعزيز روح المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي.
من كرة القدم إلى بناء الشخصية
الفكرة الأساسية التي تقوم عليها الأكاديمية هي أن الملعب يمكن أن يكون مدرسة حقيقية.
فالطفل الذي يتعلم احترام المدرب، والانضباط في الحضور، والعمل مع زملائه، وتقبّل الفوز والخسارة، يتعلم في الوقت نفسه قيماً يمكن أن ترافقه في حياته الدراسية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، لا تنظر أكاديمية بومهل الرياضية لكرة القدم إلى الطفل باعتباره لاعباً فقط، وإنما باعتباره مشروع شاب يحتاج إلى التأطير الرياضي والتربوي في الوقت نفسه.
وتسعى الأكاديمية إلى توفير إطار منظم يسمح للناشئين بممارسة كرة القدم في ظروف ملائمة، مع الاهتمام بالتدرج في التكوين حسب الفئات العمرية والقدرات البدنية والفنية.
اكتشاف المواهب وتوفير فرصة للجميع
من أبرز أهداف الأكاديمية أيضاً المساهمة في اكتشاف المواهب الشابة في بومهل وبن عروس والمناطق المجاورة، ومنحها فرصة حقيقية لتطوير إمكانياتها.
فالعديد من الأطفال والشبان يمتلكون الموهبة والحماس، لكنهم يحتاجون إلى فضاء منظم ومدربين وتأطير مستمر حتى يتمكنوا من تطوير قدراتهم.
وتعمل الأكاديمية على جعل الانضمام إليها فرصة للاستفادة من برنامج رياضي منتظم، مع مراعاة الإمكانيات المختلفة للعائلات، حتى لا تتحول ممارسة الرياضة إلى امتياز متاح لفئة محدودة فقط.
مدربون وتأطير يقوم على المسؤولية
وتحظى الأكاديمية بإشراف فني لمدرب متخصص ومتميز ، ضمن تصور يولي أهمية للجانب الفني والتكويني، مع اعتماد مقاربة تجمع بين تطوير المهارات الأساسية للاعب وتعزيز الانضباط والسلوك الرياضي.
كما يرافق المشروع فريق من المسؤولين والمتطوعين الذين يساهمون في التنظيم والتنسيق والمتابعة، بما يعكس رغبة في بناء مؤسسة رياضية شبابية تقوم على العمل الجماعي وليس على مجهود فردي.
كرة القدم والمواطنة
الخصوصية التي تحاول أكاديمية بومهل الرياضية لكرة القدم ترسيخها تتمثل في الجمع بين الرياضة والتربية والمواطنة.
فالملعب ليس فقط مكاناً للتدريب والمنافسة، بل يمكن أن يكون فضاءً لتعلم احترام الآخر، ونبذ العنف، والمحافظة على البيئة، وقبول الاختلاف، وتحمل المسؤولية.
وهذه المقاربة تنسجم مع فلسفة الجمعية التونسية للقوى الفاعلة التي جعلت من الرياضة وسيلة للإدماج الاجتماعي والتنمية المجتمعية، وخاصة بالنسبة إلى الأطفال والشباب.
مشروع يتطلع إلى المستقبل
ولا تريد أكاديمية بومهل الرياضية لكرة القدم أن تكون مجرد تجربة ظرفية، بل تطمح إلى تطوير مشروع رياضي متكامل لفائدة الناشئة، يقوم على الاستمرارية والتدرج.
ومن بين الرهانات المستقبلية توسيع قاعدة الممارسين، تطوير برامج التكوين، تنظيم تظاهرات ومباريات ودورات رياضية، وتشجيع المواهب الواعدة على مواصلة مسيرتها بتألق .
كما يمكن أن تتحول الأكاديمية، مع مرور الوقت، إلى فضاء يساهم في اكتشاف المواهب المحلية وربطها بمسارات التكوين الرياضي المناسبة.
الرياضة مسؤولية قبل أن تكون نتيجة
في نهاية المطاف، قد تكون نتيجة مباراة مهمة، وقد يكون تسجيل الأهداف متعة لا تضاهى، لكن النجاح الحقيقي لأي أكاديمية رياضية يقاس أيضاً بعدد الأطفال الذين تعلموا الانضباط، واحترام الآخرين، والعمل الجماعي، والثقة بالنفس.
وهنا تكمن فلسفة أكاديمية بومهل الرياضية لكرة القدم: صناعة اللاعب دون إهمال الإنسان، وتطوير الموهبة دون التخلي عن التربية، وجعل كرة القدم وسيلة لبناء جيل أكثر توازناً وانفتاحاً ومسؤولية.
إنها تجربة بدأت من بومهل، لكنها تحمل طموحاً أكبر: أن تكون كرة القدم جسراً بين الرياضة والتربية والمجتمع، وأن يصبح الملعب مكاناً لصناعة الذكريات الجميلة… وصناعة المستقبل أيضاً.




