بقلم تغريد على (غزة، فلسطين)
من بين مدرجات مهدمة وملاعب تحولت إلى أماكن للنزوح، يحاول لاعبو غزة استعادة لعبة توقفت قسرا بفعل الحرب، وهنا، لا تبدو عودة كرة القدم مجرد بطولة جديدة، بل محاولة لاستعادة جزء من حياة اختفت مع الملاعب والبيوت والذكريات.
ولم تعد ملاعب غزة تشبه الملاعب، فلا مدرجات مكتملة، ولا شبكات معلقة خلف المرمى، ولا غرف تبديل تحفظ أصوات اللاعبين قبل المباريات.
وفي بعض الأماكن، اختفت الخطوط البيضاء التي كانت تقسم العشب إلى مساحات للعب، وغطى الركام أجزاء من الأرض التي كانت ذات يوم مسرحا لمباريات يتجمع حولها عشرات ومئات المشجعين ومع ذلك، بقيت الكرة.
الكرة لا تستسلم
وفي زاوية من ملعب فلسطين غربي مدينة غزة، يتقدم يوسف ناصر وهو شاب عشريني بخطوات مترددة نحو كرة مهترئة، يضع قدمه فوقها للحظات، ينظر إلى زملائه، ثم يمررها إلى الطرف الآخر من الملعب.
وتمر الكرة فوق أرض غير مستوية، ترتطم بحجر صغير، وتنحرف قليلا، لكنها تصل، ويضحك اللاعبون، ويقول أحدهم: “المهم أنها وصلت”.
قد تبدو الجملة عابرة، لكنها تختصر قصة كرة القدم في غزة خلال الحرب: كل شيء تقريبا انقطع، إلا الرغبة في مواصلة اللعب.
فالملاعب التي كانت تجمع اللاعبين تحولت إلى ساحات مدمرة أو أماكن لإيواء النازحين، فيما فقدت الرياضة الفلسطينية عددا كبيرا من لاعبيها ومدربيها والعاملين فيها.
وكان “ملعب فلسطين” بالنسبة إلى ناصر، لاعب كرة قدم في الثانية والعشرين من عمره، أكثر من مساحة مستطيلة تحيط بها المدرجات، وكان مكانا يعرف فيه الجميع بعضهم بعضا.
ويقول ناصر وهو يحدق في المساحة التي بقيت منه: “كنت أعرف الملعب كما أعرف بيتي”، وكنت أعرف أين ترتد الكرة، وأين تكون الأرض أسرع، وأين يمكن أن أسدد، وكنت أعرف مكان جلوس الجمهور، ومكان المدرب، وحتى الشجرة التي كنا نضع تحتها حقائبنا.
ويتوقف للحظة، ثم يضيف: “الآن أحاول أن أتذكر الملعب كما كان، فقبل الحرب، كنت أحلم أن أصبح لاعبا محترفا، وعلى الرغم أنني لا أملك عقدا كبيرا أو راتبا ثابتا، لكن حياتي كانت تدور حول الكرة”.
ويتابع: “غادر بعض اللاعبين مناطقهم مرات عديدة بحثا عن مكان أكثر أمانا، ونزلت أنا أيضا مرات عديدة، وفي البداية كنا نظن أن الأمر سيستمر أسابيع، ثم قلنا أشهرا، بعد ذلك لم نعد نعرف متى سنعود”.
ويضحك بمرارة: “الشيء الوحيد الذي لم نعرف كيف نتوقف عنه هو الحديث عن كرة القدم، لأننا لم نكن نملك شيئا آخر نتحدث عنه”.
ويوضح ناصر: “لم تتوقف كرة القدم في غزة بسبب غياب الرغبة، بل توقفت لأن المنظومة التي تحتاجها اللعبة توقفت معها، فلا ملاعب آمنة، ولا تجهيزات، ولا حركة طبيعية بين المناطق، ولا موارد كافية لإعادة بناء ما تهدم”.
عودة مثقلة بالخسائر
وعلى طرف الملعب، يقف مدرب نادي الهلال سامر خليل، (46 عاما)، ممسكا بدفتر صغير، ويقول أن: “أول تدريب بعد فترة الانقطاع الطويلة لم يكن يشبه أي تدريب سابق”.
ونزح بعض اللاعبين إلى مناطق أخرى، وبعضهم فقد الاتصال به، وبعضهم توقف عن اللعب، بينما اضطر آخرون إلى العمل لتوفير الطعام لعائلاتهم، ويقول: “كرة القدم تحتاج إلى انتظام، واللاعب يحتاج إلى النوم، والطعام، والماء، والتدريب، والراحة، والأحذية المناسبة، والملعب المناسب، وعندما تنهار كل هذه الأشياء، يصبح الحفاظ على اللاعب نفسه تحديا”.
ويضيف خليل: “وجدت لاعبين أصبحوا أبطأ، ليس لأنهم فقدوا مهاراتهم، بل لأن أجسادهم لم تعد معتادة على التدريب”.
ويصف أول حصة تدريبية بأنها كانت أقرب إلى اختبار نفسي منها إلى تدريب رياضي، ويتابع: “كان بعض اللاعبين يركضون دقائق قليلة ثم يتوقفون، وآخرون لم يستطيعوا إكمال التدريب، لكنني لم أكن غاضبا، لأنني أعرف ماذا مروا به”.
ويكمل المدرب أن: “أكبر خسارة ليست فقط فقدان اللياقة، فالخسارة الحقيقية هي أن اللاعب يفقد إحساسه بأنه لاعب”.
ويواصل: “أحيانا أثناء التدريب ألتفت إلى المدرجات بشكل تلقائي، ثم أتذكر أنها لم تعد موجودة، مضيفا: “اللاعب كان يدخل إلى الملعب وهو يشعر أن هناك من ينتظره، فالجمهور يعطي اللاعب طاقة، أما اليوم نحن نلعب أمام الفراغ، لكن هذا الفراغ، كما يقول، لا يعني أن الجمهور اختفى”.
ويؤكد: “قبل الحرب، كنت أخاف من إصابة اللاعب في الملعب، والآن أفكر في سلامته قبل أن يدخل الملعب أصلا، فالعودة إلى الرياضة لا يمكن فصلها عن الحالة الصحية والنفسية للاعبين”.
ويتابع خليل: “هناك لاعبون يحتاجون إلى تأهيل نفسي قبل التأهيل الرياضي، فلا يمكنك أن تطلب من شخص عاش الخوف لأشهر أن يدخل مباشرة في منافسة عالية الضغط”.
ويؤكد خليل: “نحن بحاجة إلى منظومة كاملة، من ملاعب آمنة، معدات، كرات، أحذية، ملابس، مدربون، حكام، علاج طبيعي، أطباء، دعم نفسي، وبرامج للفئات العمرية الصغيرة”.
الحذاء ذاكرة العودة
وبالنسبة إلى اللاعب عمر حمدان، البالغ 18 عاما، لم يكن التوقف الرياضي منفصلا عن النزوح، كان يحمل حذاءه الرياضي داخل حقيبة صغيرة طوال فترة النزوح.
ويضيف حمدان: “كنت أتنقل من مكان إلى آخر، وأحيانا لا أملك مكانا للنوم، لكن الحذاء كان معي لم أكن أعرف لماذا أحمله”.
ويتابع أنه: “لم يستخدم حذائه لأشهر طويلة، ثم في أحد الأيام، أخرجه من الحقيبة، وكان متسخا ومغطى بالغبار، ونظفه بقطعة قماش، لبسته، ومشيت به قليلا، ثم يبتسم: شعرت أنني عدت شخصا آخر”.
وبالنسبة إلى حمدان، لم تكن كرة القدم مجرد رياضة، ويبين: “عندما ألعب، لا أفكر في الخيمة ولا في النزوح ولا في الأخبار. أفكر فقط في الكرة، لكن العودة إلى اللعب لم تكن سهلة”.
فالأرض غير المستوية تزيد مخاطر الإصابة، والمعدات قليلة، والأحذية الرياضية ليست متاحة للجميع، ويؤكد حمدان: “هناك لاعبون موهوبون لا يملكون حذاء مناسبا، مبينا: كيف تطلب من لاعب أن يحلم بالاحتراف بينما هو يبحث عن حذاء؟”.
مقاعد الغائبين
ويحمل محمود راضي، لاعب في نادي الشمس أحد أندية غزة، ذاكرة مختلفة للملعب، فبالنسبة إليه، العودة لا تعني استئناف المباريات فقط، بل تعني أيضا مواجهة مقاعد فارغة ووجوه غابت عن المدرجات وغرف الملابس.
ويقول راضي: “كان عندنا فريق كامل، أما اليوم عندما نجتمع، نسأل عن الذين لم يعودوا، ثم يصمت قليلا قبل أن يضيف: “هناك أسماء كانت جزءا من غرفة الملابس، كانوا يضحكون معنا، ويتدربون معنا، ويتشاجرون معنا بسبب المباريات، واليوم عندما نرتب الفريق، نشعر أن هناك أماكن ناقصة”.
ولا تتوقف هذه الذاكرة عند حدود الحزن، فكل تمريرة أو قميص أو رقم على قائمة الفريق قد يستدعي وجها غائبا، ويتابع راضي أن: “اللاعبين يحاولون التركيز على الكرة، لكن الماضي يظل حاضرا في التفاصيل الصغيرة، وأحيانا نبدأ التدريب بشكل طبيعي، ثم نتذكر لاعبا كان يقف هنا أو يجلس معنا هناك، فنفقد التركيز للحظات، فالملعب الذي كنا ندخله ونحن نفكر في الفوز، ندخله اليوم ونحن نحاول فقط أن نكمل”.
ويضيف أن: “أصعب ما في العودة إلى كرة القدم ليس استعادة اللياقة أو تنظيم المباريات، بل استعادة الشعور بأن الفريق ما زال مكتملا، فنحن نلعب، لكننا نلعب بذاكرة ثقيلة، وكل مباراة تذكرنا بمن فقدناهم، وكل انتصار يحمل معه سؤالا عن الذين كان يفترض أن يكونوا معنا، لذلك، عندما تعود صافرة الحكم، لا تعني لنا بداية مباراة فقط، بل تذكرنا أيضا بكل ما تغير”.
حين يصبح اللعب طوق نجاة
بدوره، يقول اخصائي الصحة النفسية أحمد منصور، إلى أن: “الرياضة في ظروف الحرب يمكن أن تؤدي دورا يتجاوز المنافسة، فالروتين الرياضي يعيد للإنسان إحساسا بالسيطرة على جزء من حياته”.
ويضيف منصور: “اللاعب الذي يحدد موعدا للتدريب، ويرتدي ملابسه الرياضية، ويذهب إلى الملعب، ويجري، ويتدرب، ثم يعود، يستعيد شيئا من الحياة الطبيعية”.
لكن الدكتور منصور يحذر من التعامل مع الرياضة بوصفها علاجا سحريا ويتابع: “كرة القدم تساعد، لكنها لا تلغي آثار الحرب، مبينا أن المدربين يحتاجون إلى معرفة كيفية التعامل مع اللاعبين الذين مروا بتجارب صادمة”.
ويوضح منصور: “قد يبدو اللاعب مشتتا، غاضبا، فاقدا للتركيز أو مثقلا بالتوتر، وقد يتراجع أداؤه بصورة لافتة، لكن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون مرتبطة بمستواه الرياضي، بقدر ما تعكس ضغوطا نفسية عميقة تستنزف قدرته على التركيز والعطاء داخل الملعب”.
وقتلت إسرائيل خلال الحرب، أكثر من 1007 فلسطينيين من منتسبي الحركة الرياضية والشبابية والكشفية بينهم 45 سيدة وفقدان 5 آخرين، فيما دمرت 265 منشأة رياضية، وفق اللجنة الأولمبية الفلسطينية.
ويتوزع هؤلاء الضحايا على 34 اتحادا ومؤسسة رياضية، بينهم لاعبون ومدربون وحكام وإداريون وكوادر مختلفة.
وكانت جميع الأنشطة الرياضية توقفت خلال عامين بسبب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بدعم أمريكي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي بدأتها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وانتهت بوقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لكن تل أبيب تخرقه يوميا.
وخلفت الإبادة الجماعية إجمالا أكثر من 72 ألف قتيل ونحو 172 ألف جريح فلسطيني، ودمارا واسعا طال 90 في المئة من البنى التحتية المدنية.

