كتب إبراهيم محمد


في غزة، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة يركض خلفها الأطفال في الملاعب، بل أصبحت مساحة ضيقة للفرح وسط واقع مثقل بالحرب والنزوح والفقدان.

وبينما يحاول الصغار استعادة شيء من طفولتهم، تصطدم أحلامهم بنقص الملاعب والمعدات الرياضية وارتفاع أسعار الأدوات التي يحتاجون إليها للتدريب.

وكرة قد يصل ثمنها إلى 400 شيكل (130 دولار أمريكيا)، بحسب السعر المتداول في السوق المحلية، تتحول إلى عبء يصعب على كثير من العائلات تحمله، في وقت تكافح فيه لتأمين الاحتياجات الأساسية، ومع ذلك، يواصل الأطفال التمسك باللعبة، مستخدمين مساحات محدودة وإمكانات متواضعة، في محاولة لحماية أحلامهم من أن تبتلعها الحرب.

طفل يحلم بملعب

يقول الطفل آسر شاهين (14 عاما) من مدينة غزة: “أحب كرة القدم منذ أن كنت صغيرا، وأشعر بالسعادة عندما أركض خلف الكرة مع أصدقائي، وعندما أبدأ التدريب، أنسى قليلا ما نعيشه من خوف وتعب، وأشعر أنني طفل مثل بقية أطفال العالم، لكن اللعب هنا لم يعد سهلا، لأن الأماكن المناسبة للتدريب قليلة، وأحيانا لا نجد مساحة آمنة نجتمع فيها”.

ويضيف شاهين: “أحلم بأن أصبح لاعب كرة قدم مشهورا، وأن ألعب يوما في ملعب كبير أمام الجمهور، وكنت أتخيل نفسي أرتدي قميص فريقي المفضل وأحرز الأهداف، لكن الحرب جعلت التفكير في المستقبل أصعب، وغالبا أسأل نفسي: هل سأتمكن من مواصلة التدريب، أم سأضطر إلى ترك حلمي بسبب الظروف؟”.

ويوضح: “أكثر ما ينقصنا هو المعدات الرياضية، ونحتاج إلى كرات جيدة وأحذية مناسبة وملابس للتدريب، لكن أسعارها مرتفعة، وأهلنا لديهم أشياء أهم يجب أن يشتروها، وعندما نسمع أن ثمن الكرة قد يصل إلى 400 شيكل (130 دولارا أمريكيا)، نشعر أن الحصول على كرة جديدة أصبح أمرا بعيدا عنا”.

ويشرح: “نحاول التدرب بما هو متاح، حتى لو كانت الأرض غير مناسبة أو كانت المساحة صغيرة، وغالبا نضطر إلى التوقف عندما لا نجد مكانا نستطيع اللعب فيه، وأحيانا نستخدم معدات قديمة بدلا من الأدوات التي نحتاج إليها، ولا نريد أشياء كثيرة، نريد فقط مكانا نلعب فيه، ومدربا يساعدنا على تطوير مهاراتنا”.

ويبين شاهين: “الحرب أثرت في حياتنا كلها، وليس في كرة القدم فقط، وهناك أيام نشعر فيها بالتعب والحزن، ونفكر في أشياء لا ينبغي لطفل في عمرنا أن يفكر فيها، لكن عندما نلتقي بأصدقائنا ونتدرب معا، نشعر أن الحياة لم تتوقف تماما، وأن هناك فرصة لنعود إلى ما كنا نحبه قبل الحرب”.

شاهين يؤكد: “أتمنى أن تعود الملاعب وتتوفر لنا الكرات والأحذية، وأن نستطيع التدرب دون خوف أو انقطاع، وأريد أن أتعلم أكثر، وأن أشارك في مباريات حقيقية، وأن أثبت أن أطفال غزة قادرون على النجاح رغم كل ما يواجهونه، ولا أريد أن يبقى حلمي مجرد كلام، أريد فرصة حقيقية لتحقيقه”.

موهبة تبحث عن فرصة

هذا الحال لا يختلف لدى الطفل سفيان نصار والذي يقول أن: “كرة القدم بالنسبة إلي ليست مجرد تسلية، بل هي الشيء الذي يجعلني أشعر بأن لدي هدفا أعمل من أجله، وعندما أرتدي ملابس التدريب، أحاول أن أركز على التمرين وأن أتعلم حركة جديدة أو طريقة أفضل لتمرير الكرة، وأحب أن أكون لاعبا مميزا، لكنني أعرف أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأنني بحاجة إلى التدريب المستمر”.

ويتابع نصار (16 عاما): “قبل الحرب، كنت أتخيل أنني سأكبر وألعب في ناد رياضي، وأن أشارك في البطولات مثل اللاعبين الذين أشاهدهم، والآن أصبحت هذه الأحلام مرتبطة بأشياء تبدو بسيطة، مثل العثور على ملعب مناسب أو امتلاك حذاء رياضي لا يؤذيني أثناء الركض، وأحيانا أشعر أن الطريق إلى تحقيق حلمي أصبح أطول بكثير”.

ويوضح: “عندما نعرف أسعار المعدات، نفكر أكثر من مرة قبل أن نطلبها من أهلنا، ونحن نعرف أن العائلة تحتاج إلى الطعام والماء والملابس، ولذلك لا نريد أن نزيد أعباءها، وقد تكون الكرة ضرورية بالنسبة إلى لاعب يريد التطور، لكنها بالنسبة إلى أسرتنا قد تكون شيئا يمكن تأجيل شرائه”.

ويواصل: “نتدرب في أماكن لا تشبه الملاعب التي نراها على التلفاز، فلا تتوفر دائما أرضية مناسبة أو مرمى مجهز، وقد نضطر إلى تعديل التمارين وفق المساحة المتاحة، ومع ذلك، نحاول الاستفادة من كل فرصة، لأن التوقف لفترة طويلة يجعلنا نشعر بأن مهاراتنا تتراجع، وأننا نبتعد عن حلمنا”.

ويكمل نصار: “أشعر بالحزن عندما أرى أطفالا في عمري لا يستطيعون اللعب بسبب النزوح أو فقدان المعدات أو غياب الأماكن المناسبة، وكل طفل يحتاج إلى مساحة يتحرك فيها ويمارس هوايته، ولا ينبغي أن تكون كرة القدم رفاهية لا يستطيع الوصول إليها إلا من يملك المال، ونحن أيضا نريد أن نتعلم ونلعب ونفرح مثل غيرنا”.

ويشرح نصار: “لا أطلب أن أصبح لاعبا مشهورا غدا، بل أريد أن أواصل المحاولة، وربما أستطيع يوما أن أمثل فريقي أو بلدي، وأن أقول إنني لم أستسلم رغم الظروف الصعبة”.

موهبة موجودة وإمكانات غائبة

بدوره، يقول مدرب فريق نادي الشمس الرياضي للناشئين باسل مقداد أن: “بين الأطفال مواهب تستحق الاهتمام، وبعضهم يمتلك مهارات جيدة وقدرة على التعلم والتطور، والمشكلة ليست في رغبتهم في اللعب، بل في الظروف المحيطة بهم”.

ويضيف مقداد: “اللاعب الصغير بحاجة إلى تدريب منتظم ومساحة مناسبة ومعدات أساسية، وهذه المتطلبات أصبحت صعبة التوفير في ظل الدمار الذي طال المنشآت الرياضية والضغوط الاقتصادية التي تعيشها العائلات”.

ويرى أن: “ارتفاع أسعار الكرات والمعدات يضعنا أمام تحديات يومية، وعندما يصل سعر الكرة إلى نحو 400 شيكل، يصبح توفير أكثر من كرة للتدريب أمرا مكلفا، خصوصا عندما نحتاج إلى معدات لمجموعة كاملة من الأطفال، لذلك نحاول المحافظة على الأدوات المتاحة، وتنظيم التمارين بما يتناسب مع الإمكانات المحدودة، لكن هذه الحلول لا تعوض النقص بالكامل”.

ويتابع: “أكثر ما يقلقني هو انقطاع الأطفال عن التدريب لفترات طويلة، فالتطور الرياضي يحتاج إلى الاستمرارية والانضباط، وعندما تتوقف التدريبات بسبب النزوح أو عدم توفر المكان أو المعدات، تتراجع قدرة الطفل على تطوير مهاراته”.

ويوضح مقداد: “لا يمكن التعامل مع كرة القدم باعتبارها مجرد نشاط ترفيهي في هذه الظروف، فالرياضة تمنح الأطفال فرصة للحركة والتفاعل مع أقرانهم، وتساعدهم على استعادة شيء من الروتين والشعور بالانتماء، لكنها لا تلغي آثار الحرب النفسية، ولا تغني عن توفير الحماية والرعاية والدعم المتخصص للأطفال الذين تعرضوا لتجارب قاسية”.

ووجه مقداد رسالة إلى المؤسسات المحلية والدولية وهي ألا يتركوا أطفال غزة خارج حسابات التعافي، فإعادة تأهيل المنشآت الرياضية وتوفير المعدات ليستا ترفا، بل جزء من استعادة الحياة الطبيعية للأطفال، لأنهم يمتلكون أحلاما ومواهب، لكنهم يحتاجون إلى فرصة عادلة لتنميتها”.

ووفق الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم فإن 265 منشأة رياضية تضررت حتى 12 فبراير/شباط 2026، بينها 184 منشأة مدمرة كليا و81 متضررة جزئيا، ويشمل ذلك الملاعب والصالات والمنشآت الإدارية.

وسجل تقرير الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم استشهاد 1,007 أشخاص من الأسرة الرياضية والشبابية والكشفية خلال الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى 12 فبراير/شباط 2026، بينهم لاعبون ومدربون وإداريون وحكام.

وشمل تقييم اليونيسف المخصص للأطفال في غزة، الذي نُفذ بين 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 و15 يناير/كانون الثاني 2026، مسحا هاتفيًا لـ2,071 أسرة لديها أطفال، وخلص إلى أن الأطفال الصغار يفتقرون إلى بيئات آمنة ومحفزة للنمو، فيما يواجه الأطفال في سن الدراسة اضطرابا طويلا في التعليم.

وتنص المادة 31 من اتفاقية حقوق الطفل التي ذكرتها اليونسيف، على حق الطفل في الراحة ووقت الفراغ وممارسة الألعاب والأنشطة الترفيهية المناسبة لعمره، وعلى ضرورة توفير فرص متكافئة لهذه الأنشطة.


قد يهمك أيضا:

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *