(غزة فلسطين) – تغريد على
لم تعد الحرب في غزة تكتفي بانتزاع الأرواح وتدمير البيوت، بل امتدت لتلاحق الأحلام نفسها، محاولة اقتلاعها من جذورها، غير أن فتيات فلسطينيات فقدن أطرافهن تحت القصف الإسرائيلي قررن أن يخضن معركة أخرى عنوانها التحدي والبقاء.
ومن بين الركام والخيام ومشاهد الدمار الممتدة، تصر هؤلاء اللاعبات على الركض خلف كرة صغيرة تحمل لهن معنى أكبر من مجرد لعبة، إنها نافذة نحو الحياة ورسالة بأن الإرادة الإنسانية أقوى من الحرب.
وفي الوقت الذي تتابع فيه جماهير كرة القدم حول العالم منافسات كأس العالم 2026، تكتب فتيات غزة فصلاً مختلفا من البطولة، بطولة لا تقاس بعدد الأهداف أو الألقاب، بل بقدرة الإنسان على الوقوف من جديد بعدما ظن الجميع أنه سقط إلى الأبد.
من الفقد إلى المقاومة
وعلى ملعب متواضع في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تتعالى أصوات اللاعبة كفاح الفاخوري بين مجموعة من اللاعبات المبتورات، وهي تتنقل على عكازيها بثقة لافتة، تمرر الكرة وتنافس بحماس، وكأنها توجه رسالة صامتة إلى العالم مفادها أن الحرب قد تنال من الجسد، لكنها تعجز عن كسر الروح.
واستيقظت كفاح (32 عاما)، على واقع جديد لم تكن تتخيله يوما، واقع أصبح فيه المشي تحديا يوميا، وأصبحت فيه تفاصيل الحياة البسيطة التي كانت تمارسها بعفوية أحلاما تحتاج إلى جهد مضاعف.
وبين صدمة الفقد ومرارة الغياب، وجدت نفسها أمام سؤال مصيري، هل تستسلم لما حدث أم تبدأ رحلة جديدة من التحدي؟.
ولم تكن الإجابة سهلة، لكن كفاح اختارت أن تواجه جراحها بدلا من الهروب منها، ومع مرور الوقت، تحولت العكازات التي رافقتها بعد الإصابة من رمز للألم إلى وسيلة للعبور نحو حياة جديدة أكثر قوة وإصرارا.
لكن كفاح وجدت في الرياضة شكلا آخر من أشكال المقاومة، مقاومة لا تستخدم فيها السلاح، بل الإرادة، فكل مرة تدخل فيها الملعب تشعر أنها تنتصر على الألم والخوف والعجز، وتستعيد حقها في الحياة الطبيعية التي حاولت الحرب سلبها منها.
وتقول أن: “اللحظات التي تركض فيها خلف الكرة تمنحها شعورا بالحرية افتقدته منذ إصابتها، وكأنها تسترد أجزاء من ذاتها مع كل تمريرة وكل هدف، فداخل الملعب تتراجع صور الدمار والذكريات القاسية، لتحل محلها مشاعر القوة والانتماء والأمل”.
وبالنسبة لكفاح، لا تمثل كرة القدم مجرد رياضة أو وسيلة لقضاء الوقت، وتواصل: “كرة القدم هي رسالة صمود في وجه واقع حاول أن يحاصرني بالعجز، فخسارة أحد الأطراف لا تعني خسارة القدرة على الحلم، فالإنسان يمكنه أن يبدأ من جديد مهما كانت الخسائر كبيرة”.
وتضيف أن: “وجودها إلى جانب فتيات خضن تجارب مشابهة خلق بينهن رابطة استثنائية تتجاوز حدود الفريق الرياضي، رابطة تقوم على الدعم المتبادل وتضميد الجراح المعنوية، مؤكدة أنهن جميعا يخضن مباراة واحدة ضد اليأس، ويصرن على الفوز بها مهما كانت الظروف”.
وفي كل تدريب، تحمل كفاح معها حكاية فقد ثقيلة، لكنها تعود إلى خيمتها ومنزلها المؤقت محملة بشيء آخر أكثر قوة، قناعة راسخة بأن الحرب قد تترك ندوبها على الجسد، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان حقه في الحياة أو قدرته على صناعة الأمل.
حين يتحول الألم إلى قوة
ومن بين اللاعبات تظهر روزان خيرة (24 عاما)، التي تحولت من ضحية لقصف إسرائيلي إلى نموذج ملهم للإرادة والصمود، ففي أواخر عام 2023، استهدف قصف عنيف منزل عائلتها في مدينة غزة، لتفقد ساقها في لحظة واحدة، وتجد نفسها أمام منعطف قاس غير ملامح حياتها إلى الأبد.
وقبل الحرب، كانت روزان عداءة شابة تملأها الأحلام والطموحات، تتنقل بين المضامير الرياضية باحثة عن الإنجاز والتفوق، غير أن انفجارا واحدا كان كفيلا بقلب حياتها رأسا على عقب، لتنتقل من ملاحقة الميداليات إلى خوض معركة يومية من أجل التكيف مع واقع فرضته الحرب بقسوة ووحشية.
لكن ما بدا للكثيرين نهاية مؤلمة، حولته روزان إلى بداية جديدة، فبدلا من الاستسلام لصدمة الفقد والانكسار، واجهت جراحها بإرادة استثنائية، ورفضت أن تسمح للإعاقة بأن تختطف مستقبلها أو تطفئ شغفها بالرياضة، ومع كل يوم كانت تستعيد جزءا من قوتها، وتعيد بناء ثقتها بنفسها، حتى أصبحت رمزا لقدرة الإنسان على النهوض من تحت ركام المأساة.
واليوم، تخوض روزان تدريباتها المنتظمة ضمن فريق كرة القدم البتر للفتيات، بعزيمة لا تقل صلابة عن عزيمة الرياضيين الذين يتنافسون على أكبر المنصات العالمية، وبينما تستند إلى عكازيها داخل الملعب، تستند في الحقيقة إلى إيمان راسخ بأن الأحلام لا تقاس بسلامة الجسد، بل بقوة الإرادة.
ولا يقتصر حلم روزان على ممارسة الرياضة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تمثيل فلسطين في البطولات الدولية، ورفع علمها في المحافل الرياضية العالمية، حاملة معها قصة شعب يواصل التشبث بالحياة رغم الحرب والدمار والفقد.
وتقول بثقة وإصرار: “قد يخسر الإنسان جزءا من جسده، لكنه لا يجب أن يخسر إيمانه بنفسه، فالحلم لا يسكن القدمين، بل يسكن القلب والعقل”.
وبين أصداء الحرب التي حاولت أن تسلبها مستقبلها، تمضي روزان في طريقها بخطوات ثابتة، وتؤكد أن: “الساق التي فقدتها في القصف لم تكن يوما مصدر قوتها الحقيقي، وأن الإرادة حين تتجذر في الروح تصبح أقوى من الجراح، وأكبر من الحرب نفسها”.
وبحسب آخر حصيلة لوزارة الصحة في قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2025، سُجلت نحو 6 آلاف حالة بتر أطراف خلال عامين من الإبادة الإسرائيلية، مشيرة إلى حاجة المصابين إلى برامج تأهيل “عاجلة وطويلة الأمد”.
ويعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني بقطاع غزة أوضاعا إنسانية كارثية، معظمهم نازحون فقدوا منازلهم جراء القصف الإسرائيلي، ويقيمون في خيام بالية تفتقر لوسائل التدفئة والمستلزمات الأساسية للحياة.
ومنذ بدء الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، قتل نحو 73 ألف فلسطيني وأصيب ما يزيد على 173 ألفا آخرين، إضافة إلى دمار واسع طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في القطاع.
قد يهمك أيضا:
