Site icon العالم الرياضي

بعكازات وكراس متحركة.. فلسطينيون مبتورو الأطراف يتنافسون في ماراثون بغزة ويهزمون الحرب بالإرادة

بقلم ابراهيم محمد (غزة، فلسطين)


لم تكن أصوات العجلات وهي تحتك بالإسفلت، ولا وقع العكازات على الطريق، مجرد تفاصيل عابرة في ماراثون رياضي حمل شعار “اركض من أجل الحرية”، في مشهد يجسد الإصرار على الحياة والصمود رغم ألم فقد الأقدام، لتنتصر الإرادة على الألم، والحياة على آثار الحرب.

وبعد توقفه لعامين بسبب الحرب الاسرائيلية، أقيم الماراثون وسط قطاع غزة لمسافة 5 كيلومترات من جسر وادي غزة وسط القطاع باتجاه الشمال، بمشاركة 2523 متسابق ومتسابقة.

وعلى امتداد مسار السباق، اصطف عشرات الفلسطينيين من مبتوري الأطراف وذوي الإعاقات الحركية للمشاركة في ماراثون حمل رسائل إنسانية ووطنية عميقة، مؤكدين أن الإصابة الجسدية لم تتمكن من إطفاء شغفهم بالحياة أو حرمانهم من حقهم في ممارسة الرياضة والمشاركة المجتمعية.

ورغم الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع، بدى المشاركون وكأنهم يخوضون سباقا آخر يتجاوز حدود الرياضة، سباقا ضد الإحباط والعزلة واليأس.

فقدت ساقي لكنني لم أفقد حلمي

يقول المتسابق مصطفى نصار (28 عاما)، الذي فقد ساقه اليمنى خلال الحرب المستمرة على غزة، إنه وصل إلى نقطة الانطلاق متكئا على عكازيه، بخطوات أثقلتها آلام الإصابة، لكنها حملت في طياتها إرادة صلبة لا تعرف الانكسار.

ويضيف مصطفى: “أردت من خلال هذا الحدث أن أقول إن المصابين ومبتوري الأطراف ليسوا عبئا على المجتمع، فنحن قادرون على العمل والإبداع والمشاركة الرياضية والثقافية إذا توفرت لنا الفرص المناسبة”.

ويوضح: “اليوم لا أركض لأحصل على ميدالية فقط، بل لأثبت لنفسي أولا وللعالم ثانيا أن الإنسان قادر على النهوض مهما كانت خسائره كبيرة، فكل خطوة أخطوها على عكازي هي انتصار شخصي على الألم”.

ويشير مصطفى أن: “المشاركة في الماراثون منحته شعورا بالحرية والثقة بالنفس بعد أشهر من العزلة النفسية التي رافقت إصابته”.

ويتابع: “الكثيرون ينظرون إلى الكرسي المتحرك باعتباره رمزا للعجز، لكنني أراه وسيلة تمنحني الحركة والاستقلالية، فأنا أمتلك أحلاما وقدرات وطموحات لا نهاية لها”.

ويواصل: “كنت أتابع الماراثونات العالمية عبر التلفاز وأتخيل نفسي يوما ما ضمن المشاركين، ولم أتوقع أن أخوض هذه التجربة بعد الإصابة، لكنني اليوم أعيشها بكل فخر”.

مصطفى يؤكد: “نحن لا نتنافس فقط على الوصول إلى خط النهاية، بل نتنافس مع الظروف القاسية التي فرضتها علينا الحرب، فكل مشارك هنا يحمل قصة مختلفة من الألم، لكن الجميع يشترك في هدف واحد هو التمسك بالحياة”.

سباق للحياة لا للمنافسة فقط

أما المتسابق سيف النجار (35 عاما)، الذي فقد ساقيه معا إثر قصف استهدف منزله خلال الحرب على غزة، لينتقل في لحظات من رب أسرة يعيل أطفاله ويقود سيارته إلى مصاب يخوض رحلة شاقة لاستعادة تفاصيل حياته اليومية.

وعلى كرسيه المتحرك، شق سيف طريقه بين المشاركين، غير عابئ بنظرات الشفقة التي لاحقته في الأشهر الأولى بعد إصابته، مؤمنا بأن ما فقده من أطراف لا يمكن أن ينتزع منه كرامته أو حقه في الحياة.

وتابع بصوت امتزج فيه التأثر بالفخر: “وجودي اليوم في هذا الماراثون انتصار شخصي قبل أن يكون إنجازا رياضيا، فكل متر أقطعه على هذا الكرسي هو رسالة للعالم بأن الإنسان أقوى من ظروفه، وأن الحرب قد تصيب أجسادنا لكنها لا تستطيع هزيمة إرادتنا”.

وأشار إلى أن المشاركة في الماراثون أعادت إليه شعورا افتقده طويلا بعد الإصابة، قائلا: “للمرة الأولى منذ شهور أشعر أنني أتحرك نحو المستقبل لا نحو الذكريات، فهنا لا ننظر إلى ما فقدناه، بل إلى ما نستطيع تحقيقه رغم كل شيء”.

ويوضح: “هذه الرياضات تمثل نافذة أمل تساعدنا على تجاوز الآثار النفسية للإصابة، وتمنحنا شعورا بالقدرة على التحكم بمسار حياتنا من جديد”.

ويتابع سيف أن المشهد الذي صنعه المشاركون على العكازات والكراسي المتحركة عكس صورة حقيقية للإرادة الفلسطينية التي ترفض الاستسلام.

وختم سيف حديثه بالقول: “نحن لا نبحث عن الشفقة، بل عن الفرص، ونريد أن يرانا العالم كما نحن، أشخاصا قادرين على الإنتاج والعطاء والحلم، لا مجرد ضحايا للحرب”.

ووفق الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، فإن عدد ضحايا كرة القدم هو الأكبر من بين ضحايا الحركة الرياضية بواقع 565 شهيدا، فيما تضررت 265 منشأة رياضية، ودمرت 184 منشأة منها كليا، فيما تعرضت 81 منشأة لتدمير جزئي، كما رصد الاتحاد وجود 5 مفقودين من منتسبي الحركة الرياضية والكشفية الفلسطينية.

جدير بالذكر أنه في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأت إسرائيل بدعم أمريكي حرب إبادة جماعية في غزة، خلفت أكثر من 73 ألف شهيد وحوالي 173 ألف جريح فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، فضلا عن دمار طال 90% من البنية التحتية.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن والمبرم منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تواصل إسرائيل عمليات الإبادة عبر تقييد إدخال المساعدات الإنسانية وفرض حصار مشدد، إلى جانب قصف يومي مستمر أسفر عن استشهاد وإصابة آلاف المدنيين الفلسطينيين.


قد يهمك أيضا:

Exit mobile version