الذاكرة الجماهيرية والقرار الرياضي: قراءة في تحديات الحوكمة التواصلية داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم// عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط
مقدمة
أعاد المدرب الفرنسي هيرفي رونار خلط الأوراق داخل المشهد الكروي المغربي، بعد تصريحات إعلامية عبّر فيها، بنبرة ندم واضحة، عن أسفه لمغادرة تدريب المنتخب الوطني سنة 2019 رغم أن عقده كان ممتدًا إلى غاية 2022. توقيت هذه التصريحات لم يكن عاديًا، إذ تزامن مع تصاعد الجدل حول مستقبل المدرب الحالي وليد الركراكي، ومع موجة مطالب جماهيرية تدعو إلى التغيير.
وبين من قرأ كلام رونار بوصفه حنينًا صادقًا لتجربة استثنائية، ومن اعتبره رسالة غير مباشرة إلى مسؤولي القرار داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تحوّل التصريح من مادة إعلامية إلى حدث تواصلي ذي أثر مركّب، تجاوز الشخص إلى المؤسسة والجمهور معًا.
الأثر التواصلي: حين يصنع الصمت معنى أكبر من الكلام
من منظور علوم التواصل، لا يمكن اعتبار تصريحات رونار مجرد تعبير شخصي عن ندم مهني. فاختياره عبارات من قبيل “لم يكن عليّ مغادرة المنتخب المغربي”، ثم إنهاء الحديث بجملة “لن أقول المزيد”، يدخل ضمن ما يُعرف بالتواصل الإيحائي، حيث يُترك المجال واسعًا للتأويل الجماعي.
هذا الأسلوب فعّل ما يشبه الحنين الجماعي المؤطر إعلاميًا. فالجمهور، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، أعاد استدعاء ذاكرة مونديال 2018، وبنى مقارنة عاطفية بين مرحلتين مختلفتين في السياق والأهداف. وهنا انتقل النقاش من تقييم تقني هادئ إلى صراع رمزي بين “أمجاد الماضي” و“أسئلة الحاضر”.
النتيجة كانت استقطابًا جماهيريًا واضحًا:
جمهور يُطالب بالعودة إلى نموذج سابق، وآخر يدافع عن الاستمرارية، بينما يضيع النقاش العقلاني حول الأداء، التطور، والتحولات البنيوية التي عرفتها الكرة المغربية.
الأثر على الجامعة: ضغط الرأي العام واختبار الحوكمة
على المستوى المؤسسي، وجدت الجامعة نفسها أمام موجة ضغط غير مباشر، لا بسبب نتائج فورية، بل بفعل خطاب عاطفي مُضخَّم إعلاميًا. ففي مثل هذه الحالات، يتحول القرار التقني إلى قرار سياسي–تواصلي، وتصبح كل خطوة محاطة بالتأويل والشك.
الجامعة، بقيادة فوزي لقجع، لم تكن مطالبة بالرد على رونار بقدر ما كانت مطالبة بإدارة أثر كلامه. فالصمت يُفسَّر، والتوضيح يُؤوَّل، والاستمرارية تُقدَّم أحيانًا كعناد بدل كونها خيارًا استراتيجيًا.
الخطر الحقيقي هنا ليس في اسم المدرب، بل في منطق التدبير تحت ضغط الذاكرة الجماهيرية. حين يصبح الماضي معيارًا حاكمًا للحاضر، تُهدَّد الاستمرارية، ويُختزل المشروع الرياضي في نتائج آنية أو أسماء رمزية.
بين العاطفة والمؤسسة
ما كشفته تصريحات رونار ليس أزمة مدرب أو نتائج، بل هشاشة العلاقة بين الجماهير والمؤسسة في لحظات التوتر. فالكرة المغربية، التي حققت في السنوات الأخيرة قفزات نوعية، باتت مطالبة اليوم بإدارة خطابها بقدر ما تُدير ملاعبها.
الرهان الحقيقي لا يكمن في العودة إلى الوراء أو القطيعة مع الماضي، بل في تحرير القرار الرياضي من الابتزاز العاطفي، وبناء تواصل مؤسسي يُقنع الجمهور بأن النجاح المستدام لا يُقاس بالحنين، بل بالقدرة على التطور، الصبر، وحسن تدبير التوقعات.
في كرة القدم، كما في السياسة، أخطر اللحظات ليست لحظات الهزيمة، بل تلك التي يتكلم فيها الماضي بصوت أعلى من المستقبل.
