تغريد على
بين ركام الحرب وضيق الإمكانات، يحاول أطفال غزة انتزاع مساحة للعب، والتمسك بأحلامهم الرياضية رغم فقدان الملاعب والمعدات وتحول أبسط متطلبات التدريب إلى أعباء يومية.
ولم تعد الرياضة بالنسبة إلى أطفال غزة مجرد هواية أو وسيلة لقضاء أوقات الفراغ، بل أصبحت محاولة لاستعادة شيء من طفولتهم التي أثقلتها الحرب والنزوح والحرمان، بأحذية بالية وملابس رياضية مستهلكة، يركض بعضهم خلف كرة قديمة، ويصنعون من المساحات المفتوحة أماكن للتدريب، في مشهد يكشف إصرارهم على مواصلة اللعب رغم واقع لا يوفر لهم الحد الأدنى من مقوماته.
حلم لا توقفه الأحذية الممزقة
ويتحدث الطفل أسامة صالح البالغ من العمر (15 عاما)، عن علاقته بالرياضة، وكيف بدأ شغفه بكرة القدم، موضحا أن اللعب أصبح جزءا أساسيا من يومه، رغم الظروف الصعبة التي يعيشها.
ويقول صالح أن: “حذاءه الرياضي أصبح ممزقا، وإنه يواصل اللعب بما يملكه من ملابس وأدوات بسيطة، بعدما بات الحصول على مستلزمات التدريب أمرا يفوق قدرة أسرته في ظل الظروف المعيشية الصعبة”.
ويروي كيف يبحث مع أصدقائه عن مساحة مناسبة للعب، مستفيدين من الأماكن المتاحة، حتى إن لم تكن مجهزة أو مناسبة للتدريب، مؤكدا أن غياب الملعب لا يلغي رغبته في مواصلة اللعب.
ويتحدث عن أثر الحرب والنزوح في حياته الرياضية، وكيف اضطر إلى الابتعاد عن التدريب وتغيير مكانه أكثر من مرة، بعدما فقد الأطفال مساحات اعتادوا الالتقاء فيها وممارسة هواياتهم.
ويوضح صالح أن: “نقص الأحذية والكرات والمعدات يحد من قدرته على تطوير مهاراته، لكنه يحاول الاستمرار في التدريب مع أصدقائه، على أمل أن تتاح له فرصة للانضمام إلى فريق رياضي مناسب”.
ويختم صالح حديثه بالتعبير عن أمنيته في امتلاك حذاء رياضي جديد، والعودة إلى التدريب في ملعب حقيقي، والمشاركة في البطولات، مؤكدا أن حلمه لا يتوقف عند الحصول على المعدات، بل يمتد إلى أن يصبح لاعبا متميزا في المستقبل.
من بين الأنقاض إلى الملاعب
ويعبر الطفل شريف حسونة، (14 عاما)، عن تعلقه بالرياضة، موضحا أنها تمنحه فرصة للابتعاد قليلا عن ضغوط الحياة اليومية، وتساعده على الشعور بالفرح وسط واقع تهيمن عليه مشاهد الحرب والنزوح.
ويضيف حسونة أنه لا يمتلك جميع الأدوات التي يحتاج إليها، وإنه يضطر إلى استخدام معدات مستهلكة أو مشاركة أصدقائه ما يتوفر لديهم، في محاولة للحفاظ على مستواه ومواصلة ممارسة لعبته المفضلة.
ويروي كيف يجتمع مع أطفال آخرين لممارسة الرياضة، ويتبادلون الأدوار والأدوات المتاحة، مشيرا إلى أن هذه اللقاءات تمنحهم شعورا بالتعاون والانتماء، رغم ما يواجهونه من نقص في الإمكانات.
ويشير إلى أن: “الظروف المعيشية الصعبة، وعدم توافر أماكن تدريب مناسبة، يجعلان ممارسة الرياضة أكثر تعقيدا، فضلا عن صعوبة الحصول على ملابس وأحذية تلائم أعمارهم واحتياجاتهم”.
ويعبر حسونة عن رغبته في تطوير مهاراته والمشاركة في مسابقات رياضية، لكنه يدرك أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تدريب منتظم، ومدربين مؤهلين، ومرافق مجهزة، إلى جانب الدعم الذي لا تستطيع أسرته توفيره بمفردها.
ويوجه حسونة رسالة يطالب فيها بالاهتمام بأطفال غزة، وتوفير مساحات آمنة للعب والتدريب، مؤكدا أن الأطفال لا يحتاجون إلى المساعدات الأساسية وحدها، بل إلى فرص تساعدهم على اكتشاف قدراتهم وبناء مستقبلهم.
الرياضة مساحة لاستعادة الطفولة
بدوره، يرى مدرب نادي رفيق السالمي للناشئين حسام نصار أن: “أطفال غزة يواصلون ممارسة الرياضة رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، موضحا أن كثيرا منهم يحضرون التدريبات بإمكانات متواضعة، لكنهم يتمسكون باللعب باعتباره مساحة لتحقيق أحلامهم واستعادة شيء من طفولتهم”.
ويضيف نصار أن: “نقص الأحذية والملابس الرياضية والكرات والمعدات الأساسية بات من أبرز العقبات أمام الأطفال، إذ يضطر بعضهم إلى استخدام أدوات مستهلكة ومشاركة زملائهم ما يتوفر لديهم، في ظل أوضاع اقتصادية تحول دون قدرة أسرهم على تأمين احتياجاتهم الرياضية”.
ويشير إلى أن: “تضرر الملاعب وتراجع المساحات المناسبة للتدريب أثرا في انتظام الأنشطة الرياضية، ما دفع الأطفال والمدربين إلى البحث عن أماكن بديلة، غالبا ما تفتقر إلى التجهيزات الضرورية، ولا توفر الظروف الملائمة لتطوير المهارات أو ممارسة اللعب بأمان”.
ويؤكد نصار إلى أن: “آثار الحرب لا تقتصر على الجانب البدني، بل تمتد إلى الحالة النفسية والاجتماعية للأطفال، الذين يحتاجون إلى أنشطة تمنحهم فرصة للتفاعل مع أقرانهم، والتعبير عن أنفسهم، واستعادة جانب من الحياة الطبيعية التي حرموا منها”.
مساحات رياضية تتلاشى
ووفق اللجنة الأولمبية الفلسطينية، فقد تم تدمير 265 منشأة رياضية كليا أو جزئيا، بينها 23 ملعبا كبيرا، و35 صالة رياضية، و58 مقرا للأندية، و 40 ملعبا خماسيا.
وبحسب اللجنة، دمرت 184 منشأة بالكامل، بينما تضررت 81 منشأة جزئيا، ما أدى إلى تقلص المساحات المتاحة لممارسة الرياضة والتدريب.
وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» بأن نحو 800 ألف طفل في غزة ظلوا نازحين خلال الربع الأول من عام 2026، في ظروف اتسمت بالاكتظاظ ونقص الخدمات الأساسية، ويزيد النزوح من صعوبة حصول الأطفال على مساحات مستقرة وآمنة للعب والتدريب، خصوصا مع اضطرار كثير من الأسر إلى التركيز على تأمين الاحتياجات المعيشية الأساسية.
وفي تقرير اليونسيف “غزة التي نريدها”، الصادر عام 2026، عرضت اليونيسف تطلعات الأطفال إلى مستقبل تتوافر فيه الحدائق العامة والمساحات الخضراء والمرافق الرياضية ومناطق اللعب والمراكز الثقافية، إلى جانب أماكن ملائمة للأطفال ذوي الإعاقة.

