حين تتحول كرة القدم إلى ملف قانوني: قراءة مغربية في عقوبات “الكاف” وإمكانية الاستئناف/ عمود “عين على الوطن” بقلم دكتور محمد رشد شراط.
لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة فوق العشب، بل صارت مجالاً قانونياً موازياً، تُقاس فيه الانفعالات بمواد انضباطية، وتُترجم اللحظات المتوترة إلى غرامات وإيقافات.
وما صدر عن لجنة الانضباط بالاتحاد الأفريقي لكرة القدم عقب نهائي كأس أمم أفريقيا بين المغرب والسنغال يضعنا أمام لحظة تستحق قراءة قانونية هادئة، بعيدة عن ردود الفعل المتشنجة، ولكن أيضاً دون التفريط في حق المغرب في نقاش منصف وشفاف.
لوائح الانضباط في “الكاف” تقوم على مبادئ واضحة: حماية الحكام، وضمان السير العادي للمباريات، والحفاظ على صورة المنافسات.
أي سلوك يُفهم على أنه ضغط على الطاقم التحكيمي، أو تهديد للنظام داخل الملعب، أو إخلال أمني، يُصنَّف عادة ضمن “السلوك غير الرياضي” أو “سوء التنظيم”. وهنا تتمتع اللجنة التأديبية بسلطة تقديرية واسعة، تجعل من التكييف القانوني للحظة انفعال أمراً حاسماً في تحديد حجم العقوبة.
من هذا المنظور، فإن دخول بعض الأفراد إلى منطقة تقنية الفيديو، أو احتجاجات مفرطة، أو استعمال الليزر من المدرجات، أو حتى تصرفات جامعي الكرات، كلها تُحمَّل قانونياً للاتحاد المستضيف.
القانون الرياضي يعتمد مبدأ “المسؤولية الموضوعية”، أي أن الجهة المنظمة تُسأل حتى عن الأفعال الفردية التي تقع داخل نطاق مسؤوليتها التنظيمية، سواء كانت مقصودة أو صعبة المنع.
غير أن القراءة القانونية لا تكتفي بتوصيف المخالفة، بل تنظر أيضاً في السياق. والمباراة النهائية لم تكن ظرفاً عادياً: توتر شديد، توقفات طويلة، محاولات اقتحام أرضية الميدان، وانسحاب مؤقت للاعبي المنتخب السنغالي. هذه العناصر تدخل ضمن ما يُعرف بالظروف المخففة، والتي يفترض أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تقدير العقوبات. فالقانون العادل لا يزن الفعل مجرداً، بل يضعه في إطاره الزمني والنفسي والتنظيمي.
عند النظر إلى العقوبات الصادرة، يبدو أن “الكاف” عاقب الطرفين على مستويات مختلفة: مخالفات جماهيرية وتنظيمية من جهة، وسلوكيات فردية من لاعبين وأطر من جهة أخرى. لكن الإشكال القانوني الذي يحق للمغرب طرحه لا يتعلق بوجود العقوبة في حد ذاته، بل بمدى تناسبها. هل تم تقدير دور كل طرف في فقدان السيطرة على أجواء المباراة؟ هل وُضعت ردود الفعل المغربية في سياق الضغط والفوضى العامة، أم عولجت كأفعال معزولة تستوجب أقصى درجات الردع؟
القانون الرياضي، مثل أي قانون، يقوم على مبدأ التناسب. العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع الفعل، ومع خطورته، ومع آثاره الفعلية على سير المباراة. حين يشعر طرف ما بأن هذا الميزان اختل، يصبح اللجوء إلى مساطر الطعن حقاً مشروعاً، بل دليلاً على الإيمان بالمؤسسات.
وهنا نصل إلى البعد القانوني الأهم: قرارات لجنة الانضباط في “الكاف” ليست نهائية. يحق للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قانونياً، استئناف هذه القرارات أمام لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الأفريقي. هذا المسار ليس سياسياً ولا إعلامياً، بل تقني بحت، يقوم على الطعن في التقدير القانوني للعقوبة، أو في تعليل القرار، أو في عدم الأخذ بظروف مخففة، أو في عدم التناسب بين الفعل والجزاء.
الاستئناف في مثل هذه القضايا لا يُبنى على الشعور بالظلم، بل على حجج قانونية دقيقة: هل تم توصيف السلوك بشكل صحيح؟ هل العقوبة تتماشى مع سوابق مشابهة؟ هل القرار معلل بما يكفي؟ هل تحمّل الاتحاد ما يفوق نطاق مسؤوليته الفعلية داخل الملعب؟ هذه هي الأسئلة التي تُناقش في غرف القانون، لا في الاستوديوهات.
كما يمكن للجامعة أن تطلب إيقاف تنفيذ بعض العقوبات مؤقتاً إلى حين البت في الاستئناف، خاصة إذا تعلق الأمر بإيقاف لاعب قبل منافسة رسمية قريبة، وكان تنفيذ القرار فوراً سيُسبب ضرراً يصعب تداركه لاحقاً. وإذا استُنفدت درجات التقاضي داخل “الكاف”، يبقى اللجوء إلى المحكمة الرياضية الدولية خياراً قانونياً أخيراً، وإن كان مساراً دقيقاً ومكلفاً ولا يُقبل فيه إلا الطعن المبني على خروقات قانونية واضحة.
وفي هذا السياق، يبرز دور فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ليس كشخصية رياضية فقط، بل كفاعل مؤسساتي يُفترض أن يقود هذا المسار بعقلية قانونية هادئة. قوة موقعه داخل المنظومة الكروية القارية والدولية لا ينبغي أن تُفهم كوسيلة ضغط، بل كمسؤولية إضافية لتمثيل المغرب بأسلوب يحترم المساطر ويُحسن توظيفها.
المرحلة تقتضي خطاباً رزيناً، وملفاً قانونياً متماسكاً، وتدبيراً يوازن بين الدفاع عن حقوق المنتخب وصيانة صورة المغرب كدولة مؤسسات.
رفض احتجاج المغرب السابق من طرف لجنة الانضباط يندرج بدوره في إطار إجرائي صارم. في القانون الرياضي، كثير من الاحتجاجات تُرفض لأسباب شكلية أو لعدم كفاية الأدلة وفق المعايير المعتمدة، لا بالضرورة لأن الوقائع لم تحدث. وهنا يظهر الفرق بين الحقيقة الرياضية كما يراها الجمهور، والحقيقة القانونية كما تُبنى داخل الملفات.
بصفتنا مغاربة، من الطبيعي أن ننحاز لمنتخبنا، وأن ننزعج من بعض القرارات. لكن الغيرة الحقيقية على صورة المغرب لا تكون برفض المؤسسات، بل باستعمال آلياتها. الدولة القوية ليست التي لا تُعاقَب، بل التي تعرف كيف تناقش العقوبات داخل القانون، بالحجج، وبالملفات، وبالمساطر.
ما بعد النهائي ليس مجرد جدل كروي، بل لحظة اختبار لثقافة قانونية رياضية في أفريقيا. والمغرب، بتاريخ مؤسساته وخبرته القانونية، قادر على أن يحوّل هذا الملف من حالة غضب عابر إلى نقاش قانوني رصين حول التناسب، والتعليل، وتوحيد المعايير التأديبية داخل القارة.
كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم،
لكن احترام القانون… هو ما يصنع صورة الأوطان بعد صافرة النهاية.
