بقلم عبدالرحيم محراش


على مدى عقود طويلة، ارتبط اسم المغرب ارتباطا وثيقا بسباق 1500 متر، حتى أصبح هذا التخصص أحد أبرز رموز ألعاب القوى المغربية وأكثرها إشعاعا على الساحة الدولية. وقد بدأت ملامح هذا المجد تتشكل مع الأسطورة سعيد عويطة، الذي بزغ نجمه في فترة كانت فيها بريطانيا تفرض حضورا قويا على سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، قبل أن ينجح العداء المغربي في فرض نفسه بين كبار أبطال اللعبة، محققا إنجازات تاريخية وأرقاما قياسية جعلته من أبرز الأسماء في تاريخ ألعاب القوى العالمية.

ولم تقتصر قيمة عويطة على الألقاب والميداليات التي حققها، بل تجاوزت ذلك إلى إلهام أجيال كاملة من الرياضيين المغاربة والعرب. فقد تحول إلى رمز رياضي استثنائي أشعل شغف ألعاب القوى لدى آلاف الشباب، ومهد الطريق لظهور جيل جديد من العدائين الذين حملوا حلم التألق في المضامير العالمية.

وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجد سباق 1500 متر المغربي وريثا مثاليا لهذا الإرث في شخص هشام الكروج، الذي سار على خطى مثله الأعلى سعيد عويطة ونجح في الارتقاء بالتخصص إلى مستوى غير مسبوق.

ومنذ مشاركته الأولى في بطولة العالم بغوتنبرغ سنة 1995، حيث أحرز الميدالية الفضية وهو في سن مبكرة، بدأت ملامح مسيرة استثنائية ستقوده إلى كتابة اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الرياضة العالمية.

وفرض الكروج هيمنة شبه مطلقة على سباق 1500 متر لسنوات طويلة، فحطم عدة أرقام قياسية عالمية وأحرز أربعة ألقاب عالمية متتالية، قبل أن يحقق إنجازه الأشهر في أولمبياد أثينا 2004 بإحرازه ذهبيتي 1500 متر و5000 متر. كما سيطر على أبرز الملتقيات الدولية وحافظ على استمرارية نادرة في القمة، ما جعل اسمه يقترن بهذه المسافة في مختلف أنحاء العالم، ويضع المغرب في صدارة القوى العالمية المتخصصة فيها.

وبعد حقبتي عويطة والكروج، واصل عدد من العدائين المغاربة الحضور في سباق 1500 متر وحققوا نتائج مشرفة على المستويين العالمي والأولمبي. فقد برزت أسماء مثل رشيد البصير وعبد العاطي إيكيدر وفؤاد الكعام ويوسف بابا ومحمد مستاوي وغيرهم، ونجح بعضهم في بلوغ النهائيات العالمية والأولمبية والصعود إلى منصات التتويج أو المنافسة على المراكز المتقدمة في كبريات البطولات.

غير أن هذا الحضور لم يرتق إلى مستوى الهيمنة والاستمرارية التي ميزت جيلي عويطة والكروج. ومع نهاية مسيرة عبد العاطي إيكيدر، آخر العدائين المغاربة الذين حافظوا على حضور منتظم ضمن الصفوف الأمامية عالميا، بدأ التراجع يظهر بشكل واضح في هذا التخصص الذي شكل لعقود أحد أبرز معاقل ألعاب القوى المغربية.

ولم يقتصر هذا التراجع على الغياب عن منصات التتويج، بل امتد إلى الغياب عن السباق النهائي نفسه في أكبر المحافل الدولية. فمنذ بطولة العالم بلندن سنة 2017، التي شهدت تأهل فؤاد الكعام إلى النهائي، غاب المغرب عن نهائي 1500 متر في النسخ الأربع الموالية من بطولة العالم، في مؤشر واضح على فقدان المكانة التي كان يحتلها هذا التخصص على الساحة العالمية.

كما لم يسجل المغرب أي حضور في نهائي سباق 1500 متر بالألعاب الأولمبية منذ دورة ريو دي جانيرو 2016، حين كان عبد العاطي إيكيدر آخر عداء مغربي يبلغ النهائي الأولمبي في هذه المسافة، منهيا السباق في المركز الخامس. ومنذ ذلك الحين، لم ينجح أي عداء مغربي في تكرار هذا الإنجاز، لتنتهي بذلك سلسلة طويلة من الحضور المغربي المنتظم في أكبر المنافسات الدولية.

وفي المقابل، شهد سباق 1500 متر خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في موازين القوى العالمية، مع استعادة بريطانيا لمكانتها بين القوى البارزة في هذا التخصص، وظهور مدارس جديدة وقوية في أستراليا والولايات المتحدة وهولندا والنرويج، التي بات عداؤوها ينافسون باستمرار على الألقاب الكبرى. كما أسهم التقدم الكبير في مناهج التدريب والإعداد العلمي والتقني في رفع سقف المنافسة إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل استعادة المكانة العالمية أكثر تعقيدا من ذي قبل.

ورغم ظهور بعض العدائين المغاربة الواعدين خلال السنوات الأخيرة، فإنهم لم ينجحوا حتى الآن في مجاراة الطفرة التي عرفها هذا التخصص عالميا. ولم يعد التحدي يقتصر على المنافسة على الميداليات، بل أصبح في بعض الأحيان مرتبطا بتحقيق المعايير والأرقام المؤهلة لأكبر البطولات الدولية.

ويبقى السؤال مطروحا: هل تنجب المضامير المغربية في السنوات المقبلة بطلا جديدا يعيد وهج 1500 متر إلى الواجهة العالمية؟ فالتاريخ الرياضي للمغرب يؤكد أن المواهب الكبيرة لم تنقطع يوما، وأن الأبطال الاستثنائيين غالبا ما يظهرون حين لا يكونون في الحسبان.

غير أن استعادة المكانة العالمية لهذا السباق لا ترتبط بظهور موهبة فردية فقط، بل تتطلب عملا طويل الأمد يقوم على اكتشاف المواهب مبكرا وتوفير التكوين والمواكبة العلمية والتقنية والطبية اللازمة. وعندها فقط يمكن الحديث عن إحياء الإرث الذي صنعه سعيد عويطة وهشام الكروج وإعادة بريق 1500 متر المغربي إلى الساحة العالمية.


قد يهمك أيضا:

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *