تغريد على (غزة فلسطين)
وسط تصفيق الجماهير وارتفاع الأعلام الفلسطينية، عادت كرة السلة للكراسي المتحركة إلى ملاعب قطاع غزة بعد انقطاع تجاوز ثلاث سنوات، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الفرح بالإصرار، معلنة استئناف واحدة من أبرز الألعاب البارالمبية رغم الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.
وجاءت العودة عبر بطولة “الإرادة تصنع الإنجاز والعزيمة تحقق الانتصار” التي احتضنها ملعب نادي خدمات المغازي وسط قطاع غزة، بتنظيم اللجنة البارالمبية الفلسطينية، وبالتعاون مع مؤسسة المجد للتأهيل للأشخاص ذوي الإعاقة، وبرعاية مؤسسة جذور للإنماء الصحي والاجتماعي، وبمشاركة واسعة من اللاعبين واللاعبات، وسط حضور رسمي وجماهيري.
واستهلت البطولة بطابور عرض للمشاركين، في رسالة تؤكد أن الرياضة لا تزال قادرة على كسر آثار الحرب وإعادة الأمل إلى الرياضيين من الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين وجدوا في العودة إلى الملاعب فرصة لاستعادة جزء من حياتهم التي توقفت قسرا.
ولم تكن البطولة مجرد منافسة على الألقاب، بل شكلت مساحة لاستعادة الثقة بالنفس وإحياء الروح الرياضية لدى اللاعبين الذين حُرموا من التدريبات والبطولات لسنوات، إذ حملت صافرة البداية بالنسبة لهم معنى العودة إلى الحياة قبل العودة إلى المنافسة.
إرادة لا تنكسر
ويقول لاعب فريق الشمس الرياضي، رامي ثابت، إن العودة إلى أرض الملعب بعد أكثر من ثلاث سنوات تمثل انتصارا معنويا لكل اللاعبين، مضيفا: “افتقدنا التدريبات والبطولات كثيرا، واليوم نشعر أننا نستعيد جزءًا من حياتنا. هذه البطولة منحتنا دافعا جديدا للاستمرار وتحقيق المزيد من الإنجازات”.
ويشير ثابت أن: “الرياضة تمنح الأشخاص ذوي الإعاقة مساحة لإثبات قدراتهم وتعزيز حضورهم في المجتمع، مشيرًا إلى أنها ليست مجرد منافسة، بل وسيلة لتحسين الحالة النفسية وكسر العزلة، معربا عن أمله في أن تكون البطولة بداية لعودة النشاط الرياضي المحلي والمشاركات الخارجية”.
ويضيف أن: “سنوات التوقف القسري لم تُضعف شغف اللاعبين باللعبة، بل زادت تمسكهم بها، رغم ما فرضته الحرب من نزوح وفقدان للملاعب ونقص في الإمكانات الرياضية، مؤكدا أن مجرد العودة إلى المنافسات تمثل رسالة صمود وإصرار، فكل دقيقة نقضيها داخل الملعب هي انتصار على الظروف، وإثبات أن الإعاقة والحرب لن تمنعا أصحاب الإرادة من مواصلة أحلامهم”.
ويشدد ثابت على أن: “استمرار هذا النشاط الرياضي يتطلب دعما حقيقيا للأندية واللجنة البارالمبية، من خلال توفير الكراسي الرياضية المتخصصة والمعدات اللازمة وإقامة بطولات منتظمة، موضحاً أن الرياضة لم تعد ترفا بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، بل أصبحت وسيلة لإعادة التأهيل النفسي والجسدي، واستعادة الثقة بالنفس، وتعزيز اندماجهم في المجتمع، وفتح آفاق جديدة أمامهم للمنافسة محلياً وخارجيا”.
إرادة تتحدى الإعاقة
أما لاعبة فريق النصيرات، سمية حمدان، فتؤكد أن مشاركة السيدات تحمل رسالة بأن المرأة من ذوات الإعاقة قادرة على المنافسة والنجاح رغم التحديات، مشيرة إلى أن استمرار البطولات وتوفير برامج تدريبية منتظمة سيمنح اللاعبات فرصة لتطوير مستواهن الرياضي.
وتبين حمدان أن: “سنوات التوقف أثرت على الجاهزية الفنية للاعبين، إلا أن البطولة أظهرت امتلاكهم قدرات ومهارات واعدة تحتاج إلى الدعم والاستمرارية، داعيًا إلى توفير الكراسي الرياضية المتخصصة والمعدات اللازمة وتنظيم بطولات دورية لإعادة بناء اللعبة في قطاع غزة”.
وتضيف حمدان أن مشاركة اللاعبات في البطولة تجاوزت حدود المنافسة الرياضية، لتبعث برسالة أمل لكل فتاة وامرأة من ذوات الإعاقة بأن الظروف القاسية لا يمكن أن تقف عائقًا أمام الطموح والإبداع. وتقول: “وجودنا في الملعب اليوم يؤكد أن الإرادة أقوى من كل التحديات، وأن المرأة الفلسطينية قادرة على إثبات حضورها وتحقيق الإنجازات متى توفرت لها الفرصة والدعم.”
وتؤكد أن استعادة النشاط الرياضي تحتاج إلى خطة مستدامة لإعادة تأهيل الأندية واللاعبات، وتوفير الكراسي الرياضية والمستلزمات التدريبية، إلى جانب تنظيم بطولات دورية تكفل الحفاظ على المستوى الفني وتطويره. وتشير إلى أن استمرار هذه الجهود سيمنح اللاعبات مساحة أوسع لصقل مهاراتهن وتمثيل فلسطين في المحافل الرياضية، بما يعزز حضور الرياضة البارالمبية ويكرس حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة والتميز.
وتندرج البطولة ضمن جهود إعادة إحياء الحركة الرياضية البارالمبية في قطاع غزة، وفتح المجال أمام اللاعبين واللاعبات من الأشخاص ذوي الإعاقة لاستعادة نشاطهم الرياضي، بما يسهم في تعزيز اندماجهم المجتمعي، وإعادة حضور اللعبة على الساحة الرياضية بعد سنوات من الغياب.
أرقام صادمة
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أنه قبل الحرب كان نحو 21% من أسر قطاع غزة تضم شخصًا واحد على الأقل من ذوي الإعاقة، بينما كان عدد الأشخاص ذوي الإعاقة المسجلين يقارب 58 ألف شخص.
وأفادت تقارير الأمم المتحدة بأن الحرب أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة، إذ سجلت السلطات الفلسطينية أكثر من 33 ألف حالة إعاقة جديدة منذ بدء الحرب، فيما يشكل أصحاب الإعاقات الحركية في غزة النسبة الأكبر من هذه الحالات.
ووفقا للجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، جرى توثيق نحو 4,800 حالة بتر أطراف منذ اندلاع الحرب، كما أشارت إلى أن غزة تضم اليوم واحدة من أكبر تجمعات الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث.
وأوضحت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أنها قدمت خلال عام 2024 أكثر من 64 ألف جلسة علاج طبيعي وتأهيل، إضافة إلى 53 ألف جلسة أخرى خلال النصف الأول من عام 2025، كما وفرت دعما نفسيا لأكثر من 26 ألف شخص من ذوي الإعاقة، وخدمات تأهيل أو أجهزة مساعدة لنحو 8,500 شخص منذ بداية الحرب.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن النقص الحاد في الكراسي المتحركة والأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة وقطع الغيار يعيق برامج التأهيل والاندماج، ويؤثر مباشرة في قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على ممارسة الأنشطة اليومية والرياضية.



