عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط.
في كرة القدم، لا تُحسم البطولات بالشعارات ولا بالانفعالات، بل بالقانون. وما وقع في نهائي كأس إفريقيا بين المنتخب المغربي ونظيره السنغالي يضعنا أمام لحظة اختبار حقيقية:
هل نحتكم إلى منطق “الحدث الاستثنائي”، أم إلى قواعد اللعبة التي وُجدت أساسًا لحماية المنافسة ونزاهتها؟
توصيف الواقعة قبل الحكم عليها
المعطيات، كما تداولتها التقارير الرسمية، تفيد بأن المنتخب السنغالي رفض استئناف اللعب وعطّل المباراة قبل انطلاق شوطها الحاسم. هذا السلوك، من زاوية قانونية خالصة، لا يندرج ضمن خانة “التأخر” أو “الاحتجاج”، بل يدخل مباشرة في مفهوم (الانسحاب أو رفض مواصلة اللعب).
وهنا يجب التذكير بقاعدة مركزية:
قانون كرة القدم لا يعترف بالاحتجاج عبر الانسحاب، لأن الاحتجاج له مساره الإجرائي الواضح، أما تعطيل المباراة فهو مخالفة تأديبية لا وسيلة قانونية.
سلطة الحكم… حجر الزاوية
حسب قوانين اللعبة الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم، فإن الحكم هو صاحب السلطة المطلقة داخل الملعب.
تقريره لا يُعد رأيًا شخصيًا، بل وثيقة قانونية رسمية تُبنى عليها قرارات اللجان المختصة. فإذا أثبت التقرير أن فريقًا رفض العودة إلى أرضية الملعب دون سبب قاهر، فإن المباراة تُنهى، ويُحال الملف على اللجنة التأديبية.
وهنا، لا يهم كثيرًا ما يُقال بعد ذلك في الندوات الصحفية أو عبر البيانات، لأن القانون لا يشتغل بالنيات بل بالوقائع المدوّنة.
لوائح الكاف: النص واضح
لوائح الانضباط التابعة لـ الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لا تترك مجالًا كبيرًا للتأويل:
أي فريق يرفض استئناف اللعب أو ينسحب من مباراة رسمية يُعتبر خاسرًا إداريًا، مع إمكانية فرض عقوبات إضافية، خاصة إذا تعلق الأمر بمباراة نهائية.
والنهائي، في الفقه الرياضي، ظرفٌ مُشدِّد لا مُخفِّف، لأن المساس به هو مساس بمصداقية المسابقة كاملة، لا بمباراة عادية في دور المجموعات.
هل يمكن تبرير الانسحاب؟
قانونيًا، لا يُقبل الانسحاب إلا في حالة القوة القاهرة:
خطر أمني مباشر، قرار رسمي يمنع اللعب، أو حالة صحية جماعية موثقة.
غير ذلك، يبقى في خانة “الرفض الإرادي”، وهو ما ترتب عنه في تاريخ كرة القدم الإفريقية والدولية قرارات صارمة، مهما كان اسم المنتخب أو وزنه.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم … مسار محسوب
لجوء الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تحت قيادة فوزي لقجع ، إلى الكاف والفيفا، قرار ذكي، لا يحمل أي طابع تصعيدي، بل هو سلوك مؤسساتي طبيعي يهدف إلى:
• تثبيت المسطرة القانونية
• حماية القرار من أي تأويل سياسي أو عاطفي
• ضمان أن يُحسم الملف في إطاره الصحيح
في المقابل، فإن أي محاولة لتحويل القضية إلى “نقاش أخلاقي” أو “صراع جماهيري” تُبعدنا عن جوهر المسألة: القانون لا يُدار بالعاطفة.
ما الذي سيُحسم في النهاية؟
إذا أكّد تقرير الحكم أن المنتخب السنغالي رفض استئناف اللعب دون موجب قانوني، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو:
• اعتبار السنغال منسحبة
• خسارة المباراة إداريًا
• تتويج المنتخب المغربي
• فتح مسطرة تأديبية مرافقة
وهذا القرار، إن صدر، لن يكون انتصارًا إداريًا للمغرب بقدر ما سيكون انتصارًا لمنطق القانون.
كلمة أخيرة
الكرة الإفريقية في حاجة ماسّة إلى ترسيخ ثقافة الاحتكام إلى اللوائح، لا إلى ردود الفعل.
فالنهائيات تُخلَّد بالإنجازات، لكنها تُحمى بالقانون. ومن دون هذا الأخير، تصبح المنافسة مجرد عرض قابل للانهيار عند أول أزمة.
في النهاية، لا أحد فوق القانون… لا فريق، ولا جماهير، ولا حتى نهائي قاري.
الكاف اليوم أمام قرار تاريخي مفصلي بين كرة افريقية همجية وعشوائية تعتمد للصراخ والشغب ولي الذراع، وكرة افريقيا حديثة لا تعترف سوى بالقانون.
الكاف يجب أن يختار مستقبلا مشرقا بدل ماضي مظلم.
عين على الوطن: قراة قانونية في لجوء الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى الكاف في واقعة السنغال.
