قبل الإعلان الرسمي: اللائحة المحتملة للمنتخب بين منطق إعادة الهيكلة وضرورات الشرعية // عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد

مقدمة: بين الخبر غير الرسمي والتحليل المؤسسي


في ظل عدم صدور اللائحة الرسمية للمنتخب الوطني المغربي الخاصة بوديتي الإكوادور والباراغواي، تبدو القراءة التحليلية محفوفة بحذر منهجي يقتضي التمييز بين المعطى المؤكد والتسريبات المتداولة. غير أن السياق الرياضي المغربي يجعل من “اللائحة المحتملة” موضوعاً مشروعاً للتحليل، ليس فقط باعتبارها اختياراً تقنياً، بل بوصفها مؤشراً على طبيعة المرحلة التي يمر بها المشروع الكروي الوطني بعد انتكاسة كأس إفريقيا الأخيرة.
فالمنتخب، في هذه اللحظة الدقيقة، لا يُعيد ترتيب أوراقه على المستوى الفني فحسب، بل يعيد أيضاً بناء سرديته أمام جمهور واسع، وأمام مؤسسة رياضية مطالبة بالحفاظ على الاستقرار قبل الاستحقاق الأكبر: مونديال 2026.


أولاً: فرضية ضخ دماء جديدة… إعادة هيكلة أم تعديل تجميلي؟


إذا ما صحت المعطيات المتداولة بشأن إدماج عناصر جديدة في اللائحة المرتقبة، فإن الأمر يتجاوز منطق “التجريب الودي”. نحن أمام احتمالين:
• إما شروع فعلي في إعادة هيكلة تدريجية للمجموعة، قائمة على توسيع قاعدة التنافس وخلق دينامية داخلية جديدة.
• أو تعديل محدود يهدف إلى امتصاص الضغط الجماهيري دون المساس بالبنية الأساسية للفريق.
الفرق بين الخيارين جوهري؛ فالأول يعكس رؤية استراتيجية ممتدة زمنياً، أما الثاني فينتمي إلى منطق إدارة الأزمة ظرفياً.


ثانياً: الانتقال الجيلي بين الاستباق والتوظيف الرمزي


الحديث عن مكافأة مواهب صاعدة – في حال تأكد رسمياً – يمكن قراءته من زاويتين:
• زاوية استباقية ترى في المرحلة الحالية فرصة لبناء نواة مونديالية مبكرة، تُدمج تدريجياً في محيط تنافسي عالي المستوى.
• زاوية رمزية تسعى إلى توجيه رسالة طمأنة مفادها أن الأبواب مفتوحة أمام الجيل الجديد.
في الحالتين، يصبح القرار التقني فعلاً ذا بعد تواصلي؛ إذ يتحول استدعاء لاعب شاب إلى مؤشر على توجه المؤسسة الكروية نحو المستقبل أو نحو ترميم صورتها بعد خيبة قارية.


ثالثاً: الاستقرار الدفاعي وإدارة المخاطر

في حال اقتصرت التغييرات على تعويض الغيابات الاضطرارية وتعزيز بعض المراكز الحساسة دون المساس بالنواة الأساسية، فإن القراءة الأقرب ستكون أن الإدارة التقنية تعتمد مقاربة “إدارة المخاطر” بدل “صناعة القطيعة”.
هذه المقاربة تعكس وعياً بأن أي تغيير جذري المونديال قد يُحدث ارتباكاً تكتيكياً ونفسياً، خصوصاً في ظل الجدل المرتبط بمستقبل المدرب وليد الركراكي.


رابعاً: سؤال القيادة التقنية والشرعية المؤسسية


لا يمكن فصل أي تحليل للائحة المرتقبة عن النقاش الدائر حول استمرارية القيادة التقنية. فاختيارات معتدلة ومتوازنة قد تُفهم كتثبيت للمشروع الحالي ومنح ثقة إضافية للإطار الفني. أما تغييرات واسعة وغير مألوفة فقد تُقرأ كبداية إعادة تموقع داخلية، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسمياً.
في هذا السياق، تشتغل الإدارة التقنية انطلاقاً من مركب محمد السادس لكرة القدم ضمن معادلة دقيقة: الحفاظ على الاستقرار من جهة، والاستجابة لمطالب التغيير من جهة أخرى.


خامساً: الجمهور كفاعل ضاغط في معادلة القرار


الإقبال الجماهيري الكبير على الوديتين – رغم الطابع غير الرسمي للمواجهتين – يؤكد أن العلاقة العاطفية بين الجمهور و”أسود الأطلس” ما تزال قائمة. غير أن هذه العلاقة أصبحت مشروطة بوجود رؤية واضحة.
في علم الاجتماع الرياضي، تتحول الجماهير في مثل هذه المراحل إلى فاعل سياسي غير مباشر؛ إذ تمارس ضغطاً رمزياً على المؤسسة من خلال الخطاب الإعلامي ومنصات التواصل، ما يجعل كل اختيار تقني قابلاً للتأويل السياسي.


خاتمة: ما الذي ستعلنه اللائحة فعلياً؟


حتى قبل صدورها، تحمل اللائحة المرتقبة دلالات تتجاوز الأسماء الفردية. فهي ستكشف عن أحد ثلاثة مسارات:
• استمرار مشروع قائم مع تعديلات محسوبة.
• بداية انتقال جِدّي نحو جيل جديد.
• أو إدارة مرحلية تهدف إلى كسب الوقت إلى حين اتضاح أفق أعمق.
السؤال المركزي إذن ليس: من سيُستدعى؟
بل: أي تصور استراتيجي تريد المؤسسة الكروية تثبيته في مرحلة ما بعد كأس إفريقيا وقبل مونديال 2026؟
ذلك هو الرهان الحقيقي الكامن خلف لائحة لم تُعلن بعد، لكنها – في وعي الشارع الرياضي – بدأت تُقرأ بالفعل كوثيقة سياسية بقدر ما هي وثيقة تقنية.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *