ديشان… بين مجاملة دبلوماسية و«نفخ» الوهم الكروي: هل صار المغرب فعلاً مرشحاً لكأس العالم؟//عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط
من جديد، تحول جزء من الخطاب الكروي المغربي إلى حالة من النشوة الجماعية بسبب تصريح أجنبي يثني على أسود الأطلس، وكأن الاعتراف الخارجي أصبح عند البعض أهم من البناء الداخلي نفسه. هذه المرة، جاء الدور على مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشان، الذي قال إن المنتخب المغربي قادر على الفوز بكأس العالم. تصريح التقطته الصفحات والمنابر المغربية بسرعة الضوء، وتحول إلى مادة للاحتفال، وكأن “الأسود” رفعوا بالفعل الكأس في الولايات المتحدةالأمريكية.
لكن بعيداً عن العاطفة والانبهار، هل قال ديشان شيئاً استثنائياً فعلاً؟ أم أننا أمام خطاب دبلوماسي معتاد في كرة القدم الحديثة، حيث يتم توزيع عبارات الإشادة على المنتخبات الصاعدة لإرضاء الجميع وخلق أجواء إيجابية قبل المواعيد الكبرى؟
الحقيقة أن المنتخب المغربي حقق إنجازاً تاريخياً في مونديال قطر، وفرض احترام العالم بوصوله إلى نصف النهائي، وهذا أمر لا جدال فيه. لكن تحويل كل تصريح ثناء إلى “دليل” على أن المغرب أصبح مرشحا فوق العادة للتتويج العالمي، يكشف أزمة عاطفية في طريقة تعاطينا مع كرة القدم أكثر مما يعكس قراءة تقنية واقعية.
الكرة العالمية لا تُدار بمنطق “الطوندونس”، ولا بعدد المشاهير الذين يمدحون منتخباً ما. فلو كانت المجاملات الإعلامية تصنع الأبطال، لكانت منتخبات عديدة رفعت الكأس عشرات المرات. التتويج بالمونديال يحتاج منظومة متكاملة: عمق دكة، استقرار بدني، خبرة إدارة الضغط، تفاصيل تحكيمية، جاهزية ذهنية، ونفس طويل عبر سبع مباريات أمام مدارس كروية معتادة على النهائيات.
أما الحديث عن أن فرنسا “ستندم” على هذا اللاعب أو ذاك، فهو أيضاً جزء من المبالغات المعتادة. نعم، المغرب نجح في استقطاب أسماء وازنة مثل “أشرف حكيمي”، ويمتلك مواهب صاعدة واعدة، لكن المنتخبات الكبرى لا تبني قراراتها على الندم العاطفي، بل على حسابات تقنية واستراتيجية طويلة المدى. فرنسا، إسبانيا، البرتغال أو الأرجنتين تشتغل داخل منظومات إنتاج مستمرة، بينما ما يزال المغرب في مرحلة تثبيت مشروعه الكروي حتى لا يتحول إنجاز قطر إلى مجرد لحظة عابرة في التاريخ.
الأخطر أن البعض صار يبحث عن “شرعية” المنتخب المغربي في كلمات الآخرين: مدرب هنا، أسطورة هناك، رئيس فيفا في مناسبة أخرى. وكأن قيمة المنتخب لا تكتمل إلا عندما يمنحها أجنبي ختم الاعتراف. الحقيقة أن قوة المغرب يجب أن تُقاس بما يقدمه داخل الملعب، لا بعدد الشخصيات التي تمتدحه أمام الكاميرات.
نعم، المنتخب المغربي قادر على منافسة الكبار، وربما الذهاب بعيداً مجدداً، لكن بين المنافسة الواقعية وبين صناعة وهم “بطل العالم القادم” مسافة كبيرة جداً. كرة القدم تعاقب المنتخبات التي تدخل البطولات بثقل الغرور أكثر مما تكافئ المنتخبات التي تدخلها بعقلية العمل والتدرج.
المغرب اليوم بحاجة إلى الهدوء، لا إلى تضخيم كل تصريح عابر. بحاجة إلى مشروع كروي مستدام، لا إلى موجات حماس موسمية. وبحاجة أيضاً إلى إعلام وجماهير تميز بين الثقة المشروعة وبين صناعة الوهم الجماعي.
فالمنتخبات العظيمة لا تصبح عظيمة لأن الآخرين قالوا ذلك… بل لأنها تثبت ذلك حين تُطفأ الأضواء وتبدأ المباريات الحقيقية.
ديشان… بين مجاملة دبلوماسية و«نفخ» الوهم الكروي: هل صار المغرب فعلاً مرشحاً لكأس العالم؟
