بين ملاعب تصمد و” القصر الكبير” تغرق… أي صورة نريد للمغرب؟// عمود عين على الوطن بقلم الدكتور محمد رشد شراط
الصورة التي قدمها المغرب في تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 الأخيرة كانت بالفعل مبهرة. ملاعب حديثة، بنية تحتية رياضية متطورة، وتنظيم نال إشادة واسعة، خصوصاً خلال المباريات التي جرت تحت أمطار غزيرة دون أن تتأثر أرضيات الملاعب أو سير المنافسات. بدا وكأن المملكة تقدم درساً قارياً و عالميا في الجاهزية، وتبعث برسالة واضحة: المغرب أصبح قوة تنظيمية ورياضية لا يستهان بها.
لكن في الجهة الأخرى من الصورة، جاءت فيضانات مدينة القصر الكبير لتوقظ أسئلة لا يمكن تجاهلها. كيف يمكن لمنشآت رياضية أن تصمد باحترافية أمام الأمطار، بينما تغرق أحياء سكنية بأكملها؟ كيف نفهم هذا التباين الصارخ بين ملاعب مجهزة بأحدث أنظمة تصريف المياه، ومدن ما زالت بنيتها التحتية هشة أمام التساقطات القوية؟
الرياضة اليوم لم تعد مجرد نتائج فوق المستطيل الأخضر، بل أصبحت واجهة دول، ومرآة لقدرتها على التخطيط والتدبير. صحيح أن الاستثمار في الملاعب ضروري، خاصة في ظل رهانات كبرى مثل استضافة كأس إفريقيا أو كأس العالم 2030، لكن صورة البلد لا تُبنى فقط داخل أسوار المركبات الرياضية. المشجع الذي يُصفق للتنظيم المثالي داخل الملعب، قد يكون هو نفسه المواطن الذي يعاني خارجَه من طرقات غارقة وقنوات صرف عاجزة.
المفارقة مؤلمة: تقنيات متقدمة لتصريف مياه الأمطار في ملاعب الكرة، مقابل اختناقات حقيقية في شبكات الصرف ببعض المدن. هذا التناقض يطرح سؤال الأولويات، ليس من باب التقليل من قيمة الإنجاز الرياضي، بل من باب توسيع مفهوم النجاح. فالتنظيم الرياضي الناجح يجب أن يكون امتداداً لمنظومة حضرية قوية، لا جزيرة معزولة من الحداثة وسط محيط هش.
ما حدث في القصر الكبير لا ينبغي أن يُقرأ كحادث عابر مرتبط بأمطار استثنائية فقط، بل كجرس إنذار. إذا كنا قادرين على إنجاز ملاعب بمعايير عالمية في وقت قياسي، فنحن بالتأكيد قادرون على تحديث شبكات التطهير وتصريف المياه في المدن المعرضة للفيضانات. الإرادة التقنية موجودة، والخبرة حاضرة، ويبقى الرهان في توجيه نفس الصرامة والسرعة نحو المشاريع التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
الرهان الرياضي للمغرب كبير، والطموح مشروع، والصورة الدولية مهمة. لكن الصورة الأجمل ستكون حين يصبح نجاحنا في تنظيم المباريات تحت الأمطار انعكاساً طبيعياً لمدن قادرة بدورها على مواجهة الأمطار دون خسائر ومعاناة. حينها فقط، سنكون أمام نموذج تنموي منسجم، لا يلمع في الكاميرات فقط، بل يحمي الناس أيضاً على أرض الواقع.
