من يصنع الفوضى ومن يتقمص دور الضحية؟ قراءة في أحداث آسفي بين الواقع والسردية الجزائرية//عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط

مقدمة:

لم تكن مباراة أولمبيك آسفي أمام اتحاد العاصمة مجرد مواجهة كروية عادية في إطار المنافسات الإفريقية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الكرة المغاربية على تدبير لحظات التوتر… واختبار أكبر لصدق الخطاب الإعلامي الذي يواكبها.
ما حدث في ملعب المسيرة بآسفي، وفق معطيات ميدانية وشهادات متطابقة، لم يكن مجرد “احتكاكات عادية” بين جماهير، بل مناوشات خطيرة كادت تنزلق إلى ما هو أخطر، لولا تدخل أمني سريع واحترافي. غير أن المفارقة الصادمة لم تكن في الحدث ذاته، بل في الطريقة التي جرى بها تأطيره إعلاميًا في العالم الآخر.


منطق مقلوب: الجاني يتحول إلى ضحية


في الوقت الذي كانت فيه المعطيات تشير بوضوح إلى أن شرارة التوتر انطلقت من سلوكات صادرة عن فئات محسوبة على جمهور الفريق الجزائري، سارعت بعض المنابر الإعلامية الجزائرية إلى قلب الرواية بالكامل، مقدمة اتحاد العاصمة وجماهيره في صورة “الضحية” التي تعرضت للاستفزاز داخل المغرب.
هذا التحول السريع من موقع الفاعل إلى موقع المفعول به ليس جديدًا في أدبيات بعض الخطابات الإعلامية الجزائرية، لكنه في هذه الحالة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تغطية إعلامية، أم أمام صناعة سردية سياسية موجهة؟


بين الروح الرياضية وخطاب التعبئة


الكرة الإفريقية، وخاصة في فضائها المغاربي، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب إعلامي مسؤول يساهم في التهدئة لا في التأجيج. ما وقع في آسفي كان يمكن أن يُقدم كنموذج لتدخل أمني ناجح حال دون وقوع كارثة، وكدليل على قدرة المغرب على احتضان التظاهرات القارية في ظروف آمنة.
لكن بدل ذلك، تم توظيف الحدث في اتجاه معاكس، حيث جرى تضخيم عناصر معينة، وتجاهل أخرى، بهدف إنتاج رواية تخدم خطابًا جاهزًا: “نحن مستهدفون”.


خسارة مضاعفة: رياضيًا وإعلاميًا


بعيدًا عن نتيجة المباراة، يمكن القول إن أولمبيك آسفي خسر مرتين:
• مرة على مستوى النتيجة الرياضية داخل الملعب
• ومرة على مستوى الصورة الإعلامية خارج الملعب، حيث وجد نفسه في قلب رواية لا تعكس حقيقة ما جرى
وهنا تكمن خطورة الأمر: حين تتحول الوقائع إلى مادة لإعادة البناء وفق أجندات مسبقة، يصبح من الصعب الدفاع عن الحقيقة، حتى لو كانت واضحة.


نحو وعي إعلامي جديد


ما حدث في آسفي يجب أن يكون جرس إنذار للفاعلين الإعلاميين والرياضيين في المنطقة. فالمنافسة يجب أن تبقى داخل المستطيل الأخضر، لا أن تتحول إلى صراع سرديات يتغذى على التوترات السياسية.
المطلوب اليوم ليس فقط ضبط الجماهير، بل أيضًا ضبط الخطاب. لأن أخطر ما في كرة القدم ليس الشغب في المدرجات، بل الشغب في العقول.


خلاصة:


بين ما وقع فعليًا في آسفي، وما رُوّج له في الإعلام الجزائري، مسافة كبيرة اسمها “المصداقية”. وهي المسافة التي ستظل تحدد من يكسب احترام الجمهور، حتى خارج الملعب.


Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *