بلاغ موتسيبي يسقط أسطورة “سيطرة لقجع” على دواليب الكاف!!! // عمود عين على الوطن// بقلم دكتور محمد رشد شراط

جاء بلاغ رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، باتريس موتسيبي، في لحظة لم تكن عادية داخل البيت الكروي القاري. فالتوقيت، قبل المضمون، يكشف أن “الكاف” وجدت نفسها في زاوية ضيقة، تحت ضغط غضب جماهيري وإعلامي واسع، خصوصًا في المغرب، حيث ترسّخ شعور عميق بأن قرارات لجنة الانضباط بشأن أحداث نهائي كأس أمم إفريقيا لم تكن في مستوى خطورة ما وقع، ولا في مستوى تطلعات العدالة الرياضية.

لغة البلاغ بدت تصالحية بوضوح، أقرب إلى محاولة احتواء أزمة أكثر منها دفاعًا عن قرارات صادرة. موتسيبي أكد احترامه لاستقلالية الهيئات القضائية، وهو موقف مؤسساتي مفهوم، لكنه في المقابل دعا إلى اجتماع استثنائي للمكتب التنفيذي لمراجعة القوانين، وعلى رأسها قانون الانضباط. وهذه النقطة بالذات تحمل دلالة سياسية وقانونية مهمة: عندما تُراجع القوانين مباشرة بعد قضية مثيرة للجدل، فذلك يعني ضمنيًا أن النصوص الحالية لم تكن كافية، أو لم تكن محكمة بما يكفي لضمان عقوبات رادعة ومنصفة.

بمعنى آخر، البلاغ تضمن اعترافًا غير مباشر بوجود خلل بنيوي داخل منظومة الانضباط في “الكاف”. فالحديث عن تمكين الهيئات القضائية من “سلطات كافية لفرض عقوبات مناسبة ورادعة” يوحي بأن العقوبات الأخيرة لم تُقنع حتى داخل دوائر القرار نفسها، أو على الأقل خلّفت حرجًا كبيرًا على مستوى صورة الاتحاد القاري.

غير أن المتابع المغربي يقرأ هذا البلاغ من زاوية أوسع من مجرد نهائي واحد. فالمسألة، في الوعي الرياضي المغربي، ليست حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة ضمن سلسلة طويلة من القرارات المثيرة للجدل التي مست المنتخبات والأندية المغربية عبر عقود. منذ عهد عيسى حياتو، مرورًا بسنوات انتقالية، وصولًا إلى رئاسة موتسيبي، ظل الشعور قائمًا بأن المغرب كثيرًا ما كان يدفع ثمنًا انضباطيًا أو تحكيميًا أكبر من غيره، في وقائع متشابهة لا تنتهي بنفس الصرامة على الجميع.

وفي هذا السياق تحديدًا، يكتسب بلاغ موتسيبي دلالة تتجاوز مجرد التعليق على أحداث نهائي مثير للجدل، ليُسقط عمليًا واحدة من أكثر الروايات ترويجًا في الكواليس الكروية الإفريقية خصوصا لدى الإعلام الرياضيالجزائري، وهي ادعاء “سيطرة فوزي لقجع على الكاف”. فلو كان القرار القاري خاضعًا فعلًا لنفوذ مغربي كما يروّج البعض، لما وجد الشارع الرياضي المغربي نفسه في موقع المتضرر، ولما اضطرت أعلى سلطة تنفيذية في “الكاف” إلى التلميح بوجود قصور في المنظومة الانضباطية بعد قرارات مست جوهر العدالة المنتظرة.
البلاغ، من حيث لا يقصد ربما، قدّم حجة واقعية مضادة لتلك السردية، وأظهر أن مؤسسات “الكاف” تعيش اختلالات بنيوية تطال الجميع، وأن المغرب، بدل أن يكون مستفيدًا من نفوذ مزعوم، كان مرة أخرى في قلب الجدل كطرف يشعر بأن العدالة لم تُنصفه.

لهذا السبب، تبدو بعض الخطابات التي تروج لفكرة “هيمنة المغرب على الكاف” بعيدة عن الواقع. فلو كانت تلك الهيمنة حقيقية، لما تراكم هذا السجل الطويل من الشكاوى، ولا تكررت حالات الإحساس بالظلم في محطات مفصلية. الأرقام والوقائع، لا الشعارات، هي التي تصنع المصداقية، وسجل المغرب مع لجان الانضباط والتحكيم في “الكاف” لا يعكس وضعًا مريحًا ولا نفوذًا استثنائيًا.
البلاغ أشار أيضًا إلى تطوير التحكيم الإفريقي، من خلال تعزيز استقلالية لجنة الحكام وتوفير موارد إضافية. وهي خطوة مهمة بلا شك، لكن جوهر الأزمة يتجاوز الصافرة داخل الملعب. المشكلة الحقيقية تمتد إلى ما بعد صافرة النهاية: إلى تقارير الحكام، وتأويل اللقطات، وآليات المحاسبة، وشفافية القرارات، وسرعة البت في الملفات، ووحدة المعايير في تقدير خطورة الأفعال. العدالة الرياضية لا تُبنى فقط على حكم جيد في الميدان، بل على جهاز انضباطي يشتغل بنفس الصرامة والوضوح تجاه الجميع.
اليوم، يقف موتسيبي أمام اختبار حقيقي. فإما أن تتحول دعوته إلى مراجعة القوانين إلى إصلاح عميق يعيد الثقة في مؤسسات “الكاف”، أو تبقى مجرد رد فعل ظرفي لامتصاص غضب عابر. الرهان لم يعد تقنيًا فقط، بل مؤسساتي وأخلاقي: هل تستطيع الكرة الإفريقية أن تبني منظومة عدالة رياضية تُقنع الضحية قبل المنتصر؟
بالنسبة للمغرب، الرسالة واضحة: الدفاع عن الحقوق يجب أن يستمر عبر القنوات القانونية والمؤسساتية، بهدوء لكن بحزم، لأن الإصلاح داخل “الكاف” لن يأتي من البيانات وحدها، بل من ضغط مشروع ومتواصل يفرض أن تكون القوانين واضحة، والعقوبات عادلة، والكرامة الرياضية مصونة للجميع دون استثناء.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *