من غوادالاخارا إلى الرباط: حين يصبح الأمن ورقة المونديال… وحين يتحول إلى نعمة يُحسد عليها المغرب// عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط

مقدمة:


بين مشاهد إحراق المركبات في غوادالاخارا المكسيكية عقب إعلان مقتل زعيم كارتل «خاليسكو الجيل الجديد»، وبين استعدادات المغرب لاحتضان جزء من FIFA World Cup 2030، تتضح حقيقة جوهرية في كرة القدم الحديثة:
الأمن لم يعد تفصيلاً تنظيمياً… بل صار شرطاً سيادياً للثقة الدولية.
ما حدث في المكسيك قبل FIFA World Cup 2026 ليس مجرد خبر أمني عابر؛ بل اختبار لقدرة دولة على حماية صورة المونديال. فحين تُغلق الطرق ويُشلّ محيط مطار مدينة مستضيفة، فإن الرسالة تتجاوز المحلي إلى العالمي: “هل البطولة في أيدٍ آمنة؟”
وفي المقابل، يبرز السؤال المشروع: أين يقف المغرب في معادلة “الثبات الأمني” مقارنة بهذه النماذج؟


أولاً: الأمن كمعيار علمي… لا كشعار سياسي


عند قراءة المؤشرات الدولية المعتمدة، تظهر ثلاث طبقات أساسية لقياس الاستقرار:
• أثر الإرهاب الفعلي
وفق مؤشر الإرهاب العالمي (GTI)، المغرب مصنف ضمن الدول ذات الأثر الإرهابي المنخفض جداً، بنتيجة تقارب الصفر في السنوات الأخيرة.
هذا ليس انطباعاً… بل قياس كمي يعتمد عدد الحوادث والخسائر.
• معدل الجريمة العنيفة
معدل القتل العمد في المغرب منخفض مقارنة بعدد من الدول عبر القارات، ما يعني أن البيئة المجتمعية لا تعيش ضغط عنف هيكلي مستمر.


ثانياً: الفارق بين “عنف منظم” و”مخاطر قابلة للإدارة”


ما شهدته غوادالاخارا يمثل نموذج “العنف الاقتصادي-المسلح”، حيث تمتلك شبكات إجرامية قدرة على:
• تعطيل المرافق الحيوية،
• توجيه رسائل ردع للدولة،
• فرض حضور إعلامي عبر الفوضى.
أما في الحالة المغربية، فإن التحديات المتوقعة لمونديال 2030 أقرب إلى:
• إدارة الحشود،
• الشغب الرياضي المحدود،
• الأمن السيبراني،
• حماية النقل والبنية التحتية.
أي أن التحدي تشغيلي وتنظيمي أكثر منه صراعاً وجودياً مع شبكات مسلحة.


ثالثاً: لماذا يهاجم البعض المغرب إعلامياً؟


هنا نصل إلى الفكرة الجوهرية.
في كل مرة يقترب فيها المغرب من استحقاق دولي كبير—من استضافة بطولات قارية إلى شراكة تنظيم مونديال—تتصاعد حملات تشكيك إعلامية خارجية، تارة تحت عنوان “الجاهزية”، وتارة تحت عنوان “الاستقرار”.
لكن حين تُقرأ الأرقام ببرود علمي، يتضح أن المغرب يمتلك:
• جهازاً أمنياً متماسكاً،
• تجربة طويلة في تأمين تظاهرات رياضية كبرى،
• بنية سياسية مستقرة نسبياً مقارنة ببيئات مضطربة.
وهنا يصبح الأمن… نعمة تُحسد.
فالدول التي تعيش ارتدادات عنف داخلي، أو تواجه تحديات تنظيمية كبرى، تدرك أن “الاستقرار” ليس أمراً مسلماً به. وعندما ترى بلداً في محيط إقليمي مضطرب نسبياً يحافظ على استقراره ويكسب ثقة الاتحاد الدولي، فإن الغيرة السياسية والإعلامية تصبح مفهومة.


رابعاً: مونديال 2030… اختبار سيعزز الصورة لا العكس


تنظيم المغرب للمونديال بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال يعني:
• توحيد بروتوكولات أمنية أوروبية-مغاربية،
• نقل خبرات إدارة الحشود المتقدمة،
• توزيع المخاطر جغرافياً،
• بناء مركز قيادة وتحكم متعدد الدول.
إذا نجح المغرب—والمعطيات تقول إن فرص النجاح كبيرة—فإن مونديال 2030 لن يكون فقط عرساً كروياً، بل شهادة دولية جديدة على أن الاستقرار في المنطقة ليس صدفة… بل خيار دولة.
الخلاصة
الأمن لا يُقاس بالشعارات ولا بالتغريدات، بل بالأرقام والوقائع.
وإذا كانت بعض المنابر تهاجم المغرب إعلامياً، فإن الواقع يقول إن المملكة تدخل مونديال 2030 وهي تملك ما تفتقده دول أخرى: ثبات أمني يسمح للكرة أن تكون لعبة… لا تحدياً أمنياً مفتوحاً.
وفي زمن أصبحت فيه الاستضافة امتحان سيادة، قد يكون أكبر إنجاز للمغرب ليس فقط بناء الملاعب… بل الحفاظ على نعمة الأمن والأمان.


Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *