حين أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تعيين محمد وهبي مدربًا للمنتخب الوطني الأول، لم يكن القرار مجرد تغيير على مستوى الجهاز الفني. بل فتح الباب أمام نقاش أوسع حول هوية المنتخب ومستقبله. يتعلق الأمر بانتقال محتمل في الفلسفة التكتيكية، وباختيار قد يؤثر في ملامح المشروع الكروي المغربي استعدادًا لكأس العالم 2030. يحمل هذا التعيين أبعادًا رياضية واستراتيجية. فهو يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف ينتقل المغرب من نموذج حقق إنجازًا تاريخيًا إلى مشروع مستدام يصنع جيلًا قادرًا على المنافسة لسنوات؟
أولًا: من نموذج الإنجاز إلى هندسة مشروع طويل الأمد
ارتبطت تجربة وليد الركراكي بنموذج تكتيكي يعتمد على التنظيم الدفاعي المتوسط أو المنخفض، والتحولات الهجومية السريعة، وتقليل المخاطر. كما استثمر هذا الأسلوب جودة اللاعبين في الثلث الأخير من الملعب. بلغ هذا النموذج ذروته خلال كأس العالم قطر 2022. فقد اعتمد المنتخب على الانضباط الدفاعي، وتقليص المساحات بين الخطوط، واستغلال اللحظات المناسبة للانتقال إلى الهجوم. وأسهم هذا النهج في تحقيق إنجاز تاريخي للكرة المغربية. لكن المرحلة التالية فرضت سؤالًا مختلفًا. كيف يستطيع المنتخب فرض أسلوبه عندما يواجه خصومًا يتراجعون إلى مناطقهم ويغلقون المساحات؟ هنا تظهر أهمية التحول التكتيكي المحتمل مع محمد وهبي. فالرهان يتمثل في الانتقال من انتظار أخطاء المنافس إلى المبادرة وصناعة الفرص. ومع ذلك، يحتاج هذا التغيير إلى وقت وانسجام بين اللاعبين حتى تظهر نتائجه على أرض الملعب.
ثانيًا: هوية محمد وهبي.. البناء من الخلف والضغط العالي
أظهرت تجربة محمد وهبي مع الفئات السنية المغربية ملامح تستحق الدراسة في سياق بناء المشروع المقبل. ويبرز البناء المنظم من الخلف والضغط العالي ضمن الأفكار التكتيكية المطروحة لتطوير أداء المنتخب. يقوم البناء من الخلف على تأمين خيارات التمرير أمام المدافعين. كما يعتمد على وجود لاعبين قادرين على استلام الكرة تحت الضغط، وتبادل التمريرات القصيرة لتجاوز خط المنافس الأول. وتساعد الحركة المستمرة على فتح المساحات في العمق. كذلك يمنح التدوير المدروس للكرة الفريق قدرة أكبر على التحكم في إيقاع اللعب بدل الاكتفاء برد الفعل. أما الضغط العالي، فيبدأ من المهاجمين ويتطلب تحركًا جماعيًا من بقية الخطوط. ويهدف إلى تضييق خيارات المنافس واستعادة الكرة سريعًا بعد فقدانها. وتزداد فعاليته عندما يتحرك اللاعبون بتنسيق واضح، مع تقارب المسافات بينهم. ويحتاج هذا الأسلوب أيضًا إلى أجنحة نشيطة وأظهرة قادرة على تقديم الدعم الهجومي. ويمكن للأجنحة الدخول إلى العمق لخلق تفوق عددي، بينما توفر الأظهرة العرض وتفتح مساحات إضافية أمام زملائها. بهذا التصور، يتحول المنتخب من فريق يركز على حماية مناطقه إلى فريق يسعى للسيطرة على مناطق المنافس. لكن نجاح هذا التوجه يرتبط بقدرة اللاعبين على تنفيذ التعليمات والمحافظة على التوازن.
ثالثًا: هل يعتمد وهبي على خطة 4-3-3 المرنة؟
يطرح التحول التكتيكي احتمال اعتماد محمد وهبي على خطة 4-3-3 في الحالة الهجومية، مع إمكانية التحول إلى 4-1-4-1 عند الدفاع. ويظل هذا التصور احتمالًا تكتيكيًا، وليس إعلانًا رسميًا عن الرسم الذي سيعتمده المدرب. تمنح خطة 4-3-3 الفريق خيارات متعددة في بناء الهجمات. كما تساعد على توزيع اللاعبين في وسط الملعب، وتوفير حلول للتمرير والتقدم بالكرة. وعند فقدان الاستحواذ، يمكن للفريق العودة إلى 4-1-4-1. ويتولى لاعب الارتكاز حماية العمق، بينما يعمل لاعبو الوسط على إغلاق المساحات أمام المنافس. وتبرز أهمية الأظهرة في توفير العرض الهجومي، مقابل تحرك الجناحين نحو العمق. كما يحتاج الفريق إلى لاعب ارتكاز ديناميكي يربط الخطوط ويساعد على الانتقال بين الدفاع والهجوم. غير أن هذه المرونة تحمل مخاطر واضحة. فالضغط العالي قد يمنح المنتخب فرصًا لاستعادة الكرة بالقرب من مرمى المنافس، لكنه يترك مساحات خلف خط الدفاع. لذلك، يتطلب تطبيقه سرعة في التغطية وانضباطًا جماعيًا طوال المباراة.
رابعًا: جيل الشيلي ومشروع المغرب في أفق 2030
لا يمكن قراءة تعيين محمد وهبي بمعزل عن العمل الذي عرفته الفئات السنية والمنتخب الأولمبي. فالتحدي الحقيقي يتمثل في بناء مسار متكامل يربط هذه المستويات بالمنتخب الأول. ويمنح العمل السابق مع اللاعبين الشباب وهبي معرفة بخصائص عدد من المواهب المغربية. كما يساعده على فهم إمكاناتهم الفنية والذهنية، وتحديد الأدوار التي تناسب تطورهم. ومن المتوقع أن يدخل جيل شارك في الاستحقاقات السنية مرحلة مهمة من النضج بين عامي 2028 و2032. ويمنح هذا التوقيت مشروع 2030 أهمية إضافية، لأن بعض هؤلاء اللاعبين قد يشكلون جزءًا من المنتخب خلال المونديال. لهذا، يمثل التنسيق بين الفئات العمرية والمنتخب الأول عاملًا مهمًا في استمرارية المشروع. فوجود فلسفة واضحة يساعد على تسهيل انتقال اللاعبين، ويقلل الفجوة بين متطلبات المنتخبات السنية والفريق الأول. ومع ذلك، لا يكفي توحيد الأفكار التكتيكية وحده لضمان النجاح. إذ يحتاج المشروع أيضًا إلى تطوير اللاعبين، ومنحهم فرصًا مناسبة، وتقييم تطورهم وفق احتياجات المنتخب.
خامسًا: الثقة في المدرب الوطني وبناء هوية كروية مغربية
يحمل اختيار مدرب مغربي للمنتخب الأول رسالة تتجاوز الجانب الفني. فهو يعكس الرهان على الكفاءات الوطنية وقدرتها على قيادة مشروع طويل الأمد. كما يفتح المجال أمام تعزيز الثقة في المدرسة التدريبية المغربية. فقد أصبحت الكفاءات المحلية جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل المنتخبات الوطنية، بدل التعامل معها بوصفها خيارًا مؤقتًا عند تعذر التعاقد مع مدرب أجنبي. ومن زاوية استراتيجية، يرتبط هذا التوجه بطموح المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 بهوية كروية واضحة. فالبلد الذي يستعد لاحتضان حدث عالمي يحتاج إلى مشروع رياضي يتجاوز التحضير التنظيمي، ويشمل تطوير الأداء واللاعبين وأساليب العمل. لكن الاستمرارية لا تعني رفض الخيارات الأخرى بصورة مطلقة. بل تقوم على تقييم العمل الفني، وتوفير الظروف المناسبة للنجاح، ومحاسبة المسؤولين وفق النتائج والأهداف المحددة.
سادسًا: تحديات واقعية أمام مشروع محمد وهبي
يتطلب الانتقال من الدفاع المنظم إلى الضغط العالي وقتًا كافيًا للتدريب والتطبيق. كما يحتاج اللاعبون إلى فهم دقيق للأدوار الجديدة، خصوصًا عند التحول السريع بين الحالتين الدفاعية والهجومية. وتختلف إدارة المنتخب الأول عن التعامل مع مجموعة شابة. فالمدرب سيعمل مع لاعبين يمتلكون تجارب مختلفة، وأدوارًا بارزة داخل أنديتهم، وتطلعات كبيرة على المستوى الدولي. إضافة إلى ذلك، لا تمنح تصفيات كأس العالم مساحة واسعة للتجريب الطويل. فالنتائج تبقى ضرورية، وقد يفرض ضغط المنافسة العودة إلى حلول أكثر تحفظًا في بعض المباريات. كما يمثل صبر الجمهور عاملًا مؤثرًا في أي مرحلة انتقالية. فالمشجعون ينتظرون استمرار النتائج الإيجابية، بينما يحتاج بناء هوية جديدة إلى وقت حتى ينعكس بوضوح على الأداء. لذلك، سيكون التحدي أمام الجامعة والمدرب هو الجمع بين النتائج القريبة والتطوير المستقبلي. ويتطلب ذلك تحديد أهداف واقعية، وتقييم التقدم بانتظام، وتجنب التغييرات المتسرعة عند أول تعثر.
سابعًا: 2026 محطة انتقال نحو ذروة 2030
يمكن أن تمثل سنة 2026 محطة اختبار مهمة للمشروع الجديد، بينما يشكل مونديال 2030 هدفًا استراتيجيًا بعيد المدى. ويعتمد نجاح هذا المسار على قدرة المنتخب على تطوير أسلوبه دون التفريط في التوازن والنتائج. إذا نجح محمد وهبي في ترسيخ أفكاره، فقد يدخل المغرب مونديال 2030 بهوية أكثر وضوحًا وانسجامًا بين الأجيال. أما إذا واجه المشروع صعوبات، فستبرز أسئلة حول توقيت التحول وسرعة تطبيقه ومدى ملاءمته لإمكانات اللاعبين. في النهاية، لا يقتصر الرهان على اسم المدرب أو الخطة التكتيكية. بل يتعلق ببناء منظومة قادرة على إنتاج لاعبين مؤهلين، وتطوير الأداء، والحفاظ على الاستمرارية. إن تعيين محمد وهبي يفتح نقاشًا حول الانتقال من نجاح تاريخي إلى مشروع طويل الأمد. وبين طموح الضغط العالي ومتطلبات المنافسة، سيحدد العمل اليومي مدى قدرة المنتخب على تحويل الأفكار إلى نتائج. فمونديال 2030 لا يبدأ يوم الافتتاح، بل من القرارات التي تُتخذ والاستثمارات التي تُنجز قبل سنوات من انطلاقه.
