حين يتحول المؤثر إلى لاعب خارج الملعب:”قراءة في استغلال العاطفة الرياضية وصناعة البوز”
//عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط
مقدمة
لم تعد المنافسة الرياضية حكرًا على المستطيل الأخضر أو قاعات التتويج، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبح “المؤثر” لاعبًا جديدًا، يربح ويخسر وفق منطق مختلف: منطق الانتباه لا منطق القيم. في هذا السياق، تبرز حالة المؤثر السعودي خالد العليان كنموذج كاشف لكيفية توظيف العاطفة الرياضية والهوية الجماعية لتحقيق مكاسب رقمية سريعة، ولو على حساب الثقة والرمزية.
من الملاعب إلى الخوارزميات
دخول المؤثر إلى المغرب تزامن مع أجواء رياضية قارية، حيث ترتفع الحساسية الوطنية ويتضاعف التفاعل. المحتوى كان سياحيًا، لغته ودودة، ورسائله عاطفية؛ فكانت النتيجة تضاعفًا غير مسبوق في عدد المتابعين خلال وقت قياسي. هنا لا نتحدث عن نجاح إبداعي بقدر ما نتحدث عن قراءة ذكية للخوارزمية: حين تجتمع الرياضة، والهوية، والاحتفاء، يصبح الجمهور أكثر قابلية للتفاعل والدعم.
الاستثمار العاطفي… ثم الانسحاب
غير أن المشكلة لا تبدأ بالزيارة ولا بالتفاعل، بل بما تلا ذلك. فبعد تحقيق الهدف الرقمي، انتهى “الاستثمار العاطفي” وغاب أي التزام رمزي أو أخلاقي تجاه الجمهور الذي صنع القفزة. هذا التحول السريع من خطاب الامتنان إلى منطق “المرحلة التالية” يعكس فهمًا نفعيًا للعلاقة مع المتابعين: جمهور يُستثمر فيه ثم يُستبدل.
اللعب على حافة التنافس
الانتقال اللاحق إلى الجزائر في توقيت رمضاني مشحون لم يكن خطوة عفوية. في عالم صناعة المحتوى، يُعدّ التنافس الإقليمي مادة جاهزة لرفع التفاعل عبر الاستفزاز المقنّن. حين يُعلن المؤثر هدفًا رقميًا (الوصول إلى 10 ملايين متابع) ويضعه فوق سياق حساس، فإن الرسالة تصبح واضحة: الجدل وسيلة، والجمهور وقود.
لماذا الغضب مفهوم؟
الغضب الذي عبّر عنه جزء كبير من الجمهور المغربي لا يرتبط بـ“رفض الآخر” أو التعصب، بل بشعور الخديعة. فالعلاقة لم تكن متابعة عابرة، بل دعمًا وترويجًا وثقة. وعندما تُستغل هذه الثقة في لعبة توازنات باردة، يصبح الانسحاب الجماعي فعلًا دفاعيًا مشروعًا، لا حملة كراهية.
العقوبة الرقمية: آلية تصحيح
ما نشهده من فقدان أعداد كبيرة من المتابعين خلال فترة وجيزة يندرج ضمن ما يسميه الباحثون العقوبة الرقمية الجماعية: آلية تصحيح تلقائية يمارسها الجمهور حين يشعر بأن المعادلة الأخلاقية اختلت. إنها رسالة بسيطة: الشهرة التي تُبنى على الاستفزاز، يمكن أن تنهار بالوعي.
الخلاصة
في الرياضة كما في الإعلام، القيم ليست ترفًا. من يراهن على العاطفة الرياضية دون احترام رمزيتها، يحقق مكاسب قصيرة الأمد ويخسر الرصيد المعنوي. المؤثر الحقيقي لا يكتفي بقراءة الخوارزمية، بل يفهم أن الجمهور ليس رقمًا في لوحة إحصاءات، بل شريكًا في صناعة المعنى.
الدرس الأهم للمشهد الرياضي الرقمي:
من يلعب خارج الملعب دون قواعد، قد يربح جولة، لكنه يخسر البطولة.
