كسر طابوه نقد وليد الركراكي: قراءة تقنية في أخطاء الركراكي في نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال // عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط
في كرة القدم، لا توجد حصانة أبدية، ولا تاريخ يحمي من المساءلة. الإنجازات تُحترم، نعم، لكنها لا تُحوِّل المدرب إلى منطقة محرّمة على النقد. وما حدث في نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال يفرض فتح نقاش فني صريح حول أداء وليد الركراكي، ليس بدافع التقليل، بل لأن لحظات النهائيات تُقاس فيها قيمة القرارات تحت الضغط.
المباراة كشفت منذ بدايتها غياب وضوح الهوية التكتيكية للمنتخب المغربي. التشكيلة ضمّت أسماء قادرة على صنع الفارق مثل ياسين بونو، أشرف حكيمي، نصير مزراوي، نايل العيناوي، براهيم دياز، عبد الصمد الزلزولي وأيوب الكعبي، لكن الحضور الفردي لم يتحول إلى منظومة منسجمة. المسافات بين الخطوط كانت واسعة، التحول من الدفاع للهجوم بطيئًا، ولم تظهر ملامح خطة واضحة لكيفية ضرب التنظيم السنغالي. بدا المنتخب كأنه ينتظر لحظة إلهام فردية بدل صناعة تفوق جماعي منظم.
ومع تقدم دقائق المباراة، كان من المفترض أن تتدخل دكة البدلاء لتعديل الكفة، لكن التغييرات زادت الغموض بدل أن تمنح وضوحًا. قرار إدخال أنس صلاح الدين بدل إسماعيل الصيباري، كمثال، حرم المنتخب من لاعب يربط الوسط بالهجوم ويجيد اللعب بين الخطوط، في وقت كان المغرب بحاجة إلى كثافة هجومية لا إلى حلول محافظة. ثم جاء إخراج مزراوي وما تلاه من إعادة تموضع صلاح الدين في مركزه الأصلي ليعكس حالة ارتباك تكتيكي واضحة. هذه التحركات بدت كتصحيح متأخر لخطأ سابق، لا كجزء من خطة مدروسة سلفًا لسيناريوهات المباراة.
الحالة البدنية لنايل العيناوي بعد إصابته في الرأس أثارت بدورها علامات استفهام. المشهد أوحى بأن اللاعب تأثر بالضربة، ورغم عودته للملعب، يبقى السؤال مشروعًا: هل كان في كامل جاهزيته الذهنية والبدنية لخوض ما تبقى من نهائي قاري عالي النسق؟ في مثل هذه المباريات، يفضّل المدربون ضخ طاقة جديدة بدل المجازفة بلاعب قد لا يكون في أفضل حالاته، خاصة عندما تتوفر البدائل. القرار هنا بدا أقرب للمراهنة منه للحسم الوقائي.
فترة التوقف الطويلة بسبب احتجاجات السنغال بعد ركلة الجزاء كانت لحظة ذهبية لإعادة شحن اللاعبين ذهنيًا وتنظيم الدقائق الحاسمة، لكن الصورة التي برزت أظهرت الركراكي منخرطًا في مشاحنات جانبية بدل التركيز الكامل على لاعبيه. في النهائيات، المدرب هو مصدر الهدوء، هو من يمتص التوتر ويعيد توجيه البوصلة. أي انفعال زائد من الدكة ينتقل تلقائيًا إلى أرضية الميدان، وهذا ما بدا واضحًا في الدقائق التي تلت الاستئناف، حيث فقد المنتخب هدوءه وتركيزه تدريجيًا.
هدف السنغال في الوقت الإضافي لم يكن نتيجة عبقرية مفاجئة بقدر ما كان ثمرة إرهاق مغربي واضح، بطء في الارتداد، وسوء تمركز في لحظة حاسمة. هذه التفاصيل الصغيرة هي مسؤولية جماعية، لكنها تبدأ من القراءة الفنية للمباراة: متى تُغلق المساحات، متى تُنعش الوسط، ومتى تُغامر هجوميًا بدل انتظار ضربة حظ. المغرب لعب الشوط الحاسم بردة فعل لا بفعل مبادر، وهذه سمة فرق يقودها القلق لا الوضوح.
بعد المباراة، انشغل جزء كبير من النقاش بركلة الجزاء الضائعة والتحكيم واحتجاجات المنافس، بينما مرّ دور المدرب بهدوء لافت. هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل أصبح نقد الركراكي من المحظورات؟ هل يكفي إنجاز سابق لإغلاق باب التقييم في الحاضر؟ المنتخبات الكبيرة تتطور حين تواجه أخطاءها بصدق، لا حين تضع مدربيها خارج دائرة المساءلة.
وليد الركراكي مدرب قدّم الكثير للكرة المغربية، وهذا لا جدال فيه. لكن في نهائي كأس إفريقيا، قراءته للمباراة، إدارته للتغييرات، تعامله مع لحظات التوتر، واختياراته في التفاصيل الحاسمة كلها قرارات قابلة للنقاش والنقد. النقد هنا ليس هجومًا شخصيًا، بل ضرورة رياضية حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها في المواعيد الكبرى القادمة. كرة القدم لا تعترف بالتابوهات… تعترف فقط بمن يتعلم بسرعة عندما يخطئ.
