عين على الوطن/ عمود بقلم دكتور محمد رشد شراط.

في كل مرة تقع فيها حادثة تنظيمية داخل ملعب إفريقي، يتم اختزال المشهد في صورة، وتُفرغ الواقعة من مضمونها القانوني، وتُعاد صياغتها في قالب عاطفي أو شعبوي أو “فيرالي”، بما يحوّل النقاش من “مسألة قانون وتطبيق قواعد” إلى جدل انفعالي بلا معنى. حادثة “المنشفة” في مباراة المغرب والسنغال تمثل نموذجاً دقيقاً لهذا الانزلاق من التحليل القانوني إلى التهييج الرمزي.

من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد أي غموض في النص المنظّم للمسألة.
القانون رقم (1) من قوانين اللعبة الصادرة عن “IFAB”ينص بوضوح على أن تجهيزات الملعب، بما فيها الشباك والقائمين ومنطقة المرمى، يجب أن تكون خالية من أي جسم أجنبي يمكن أن يؤثر على سير اللعب، وأن كل جسم غير مرخّص يجب إزالته فوراً. هذا النص لا يحتمل التأويل، ولا يخضع للاجتهاد الثقافي، ولا يرتبط بالسياق الجغرافي أو بالهوية القارية. هو نص تنظيمي مطلق، يطبَّق بنفس الصيغة في أوروبا، إفريقيا، آسيا وأمريكا اللاتينية.

بناءً على ذلك، فإن تدخل أعوان التنظيم المغاربة ولاعب المنتخب المغربي إسماعيل الصيباري وجامعوا الكرات، لإزالة المنشفة من الشباك لم يكن تصرفاً تقديرياً، ولا اجتهاداً ذاتياً، ولا “سلوكاً استفزازياً”، بل “تطبيقاً حرفياً للنص القانوني”. أي قراءة قانونية نزيهة تُقرّ بأن هذا الإجراء يدخل في صميم الواجب الوظيفي لأعوان التنظيم، وليس خارجه.

الإشكال لا يبدأ من تطبيق القانون، بل من محاولة تعطيله، ثم إعادة تأطير الواقعة إعلامياً على أنها “حادثة أخلاقية” أو “سلوك عدائي” من طرف المغاربة، بدل كونها “نزاعاً تنظيمياً ناتجاً عن خرق واضح للنص”. هنا تتحول القاعدة القانونية إلى تفصيل ثانوي، وتصبح المشاعر والانطباعات بديلاً عن النصوص.

الخطير في هذا النوع من السرديات أنه يرسّخ فكرة ضمنية مفادها أن القوانين الرياضية قابلة للتفاوض حسب السياق، أو حسب الفريق، أو حسب القارة، وهو منطق يتعارض جذرياً مع فلسفة القانون الرياضي الدولي، التي تقوم على “وحدة القاعدة” و”حياد التطبيق”و”عدم شخصنة التنظيم”.

تبرير تعليق المنشفة بوظيفة “تجفيف قفازات الحارس” لا يصمد أمام أدنى فحص قانوني أو منطقي. فالقانون لا يعترف بالوظيفة، بل بالمشروعية التنظيمية. ما لا يسمح به النص، لا تشرّعه النية. ثم إن وجود ظروف مناخية ممطرة يجعل هذا التبرير أكثر هشاشة، لأنه يحوّل التفسير إلى مجرد خطاب تبريري غير قابل للاختبار الواقعي.

لكن الأخطر من الجدل حول المنشفة، هو ما جرى في الهامش الإعلامي للواقعة.
تمّ تضخيم الرمز، وتهميش الفعل الأخطر:
“تخريب تجهيزات، تكسير مقاعد، إصابة عناصر أمن أثناء أداء مهامهم.”
وهنا يتحول النقاش من سؤال القانون إلى سؤال الانتقاء الإعلامي:
لماذا يُضخّم الرمز ويُهمَّش الفعل؟
ولماذا تتحول منشفة إلى قضية كونية، بينما العنف المادي يصبح خبراً ثانوياً؟

قانونياً، نحن أمام مستويين مختلفين من المسؤولية:

– خرق تنظيمي واضح (تعليق جسم على الشباك)
– أفعال مادية تمس السلامة الجسدية والممتلكات العامة

المنطق القانوني يفرض ترتيب الأولويات:
الخرق التنظيمي يُعالج إدارياً.
أما العنف والتخريب فيدخلان في نطاق “المساءلة القانونية” و”المسؤولية الجنائية” و”المحاسبة المؤسساتية”.

حين يُساوى بين المستويين في الخطاب الإعلامي، أو حين يُستبدل الثاني بالأول، فإننا لا نمارس تحليلاً، بل نمارس “تشويهاً للوقائع” وإعادة توجيه متعمّدة للانتباه.

في الأنظمة الكروية المستقرة، لا تتحول مثل هذه الوقائع إلى نقاشات عبثية، لأن الإطار القانوني هو المرجع الوحيد للفصل. لا قداسة للرموز، ولا حصانة للسلوكيات، ولا شرعية خارج النص. القانون لا يناقش النوايا، بل الأفعال. ولا يحاكم المشاعر، بل المخالفات.

الدرس الحقيقي من هذه الواقعة ليس في المنشفة، بل في الثقافة التنظيمية التي ما زالت في كثير من السياقات الإفريقية تُعامل القواعد كإرشادات مرنة لا كقوانين ملزمة. وهو منطق يُنتج فوضى تنظيمية، ويُضعف المؤسسات، ويُكرّس شخصنة القانون بدل مؤسسته.

الخلاصة القانونية واضحة:
المشكلة ليست في قطعة قماش.
المشكلة في “المنظومة التي تتسامح مع خرق القواعد”،
ثم ترفض تطبيقها،
ثم تُحوّل الجدل إلى معركة رمزية لتفادي مساءلة السلوك الحقيقي.
متابعة المغرب لمثيري الشغب، ومحاولة إزالة المنشفة ومتابعة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم للسينغال في الكاف، هو السلوك القانوني الوحيد الذي يتميز بالصواب، وأي سلوك غيره فهو ضد القانون والصواب والمنطق. ويسجل التاريخ أن المملكة المغربية تختار دائما درب القانون ولا تنزل لمستوى المهاجمين والمحرضين والحاسدين.

كرة القدم الحديثة لا تُدار بالعواطف ولا بالرموز ولا بالانطباعات،
بل بالقانون، بالنص، بالمؤسسات، وبمنطق المسؤولية.

وأي نقاش يتجاوز هذا الإطار،
ليس نقاشاً رياضياً،
ولا قانونياً،
ولا مهنياً،
بل مجرد “تشتيت للرأي العام عن جوهر المشكلة”.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *