قراءة قانونية: اجتماع اللجنة التنفيذية لـ«الكاف» ومصالح المغرب في نزاعه القانوني مع السنغال(بين فقه CAS وارتباك القرار السياسي)// عمود عين على الوطن //بقلم دكتور محمد رشد شراط

مقدمة:


تعقد اللجنة التنفيذية للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم «كاف» اجتماعًا طارئًا يوم الجمعة المقبل بالعاصمة التنزانية دار السلام، بدعوة من رئيسها باتريس موتسيبي، لمناقشة تعديل مدونة الانضباط، خصوصًا ما يتعلق بحالات انسحاب الفرق أو المنتخبات من أرضية الميدان قبل الصافرة النهائية، وذلك على خلفية أحداث نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بين المغرب والسنغال.
ويأتي هذا الاجتماع متزامنًا مع لجوء الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى مسطرة الاستئناف ضد العقوبات الصادرة عن لجنة الانضباط، ما يطرح تساؤلات قانونية مشروعة حول حدود تأثير هذا الاجتماع على مصالح الملف المغربي، وهي تساؤلات لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال قراءة قانونية دقيقة تستند إلى اجتهادات محكمة التحكيم الرياضي (CAS).

ينعقد الاجتماع الطارئ للجنة التنفيذية للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم في لحظة حرجة، لا بسبب حساسية الملف المغربي-السنغالي فقط، بل لأن «الكاف» تجد نفسها أمام اختبار قانوني حقيقي بين احترام مبادئ القضاء الرياضي أو السقوط في منطق التدبير السياسي للأزمات.


أولًا: حين يُراجع المُشرِّع نصًا طُبِّق للتو


من زاوية فقهية صِرفة، فإن أخطر ما في هذا الاجتماع ليس جدول أعماله، بل توقيته.
فقه محكمة التحكيم الرياضي (CAS) استقر، منذ قضايا مرجعية، على أن:
“قيام الهيئة المنظمة بتعديل أو مراجعة قاعدة تأديبية بعد تطبيقها مباشرة يُعد مؤشرًا على عدم كفاية القاعدة أو غموضها”.
في عدة قرارات، شددت CAS على أن الغموض التشريعي يُفسَّر دائمًا لصالح الطرف المعاقَب (مبدأ in dubio pro reo في القانون التأديبي الرياضي).
وعليه، فإن فتح «الكاف» لملف الانسحاب قبل نهاية المباراة، بينما لا يزال ملف المغرب قيد الطعن، يُمثل قرينة فقهية قوية على هشاشة الأساس القانوني للعقوبة.


ثانيًا: الانسحاب أم الاحتجاج؟ فقه CAS يميّز


اجتهادات CAS فرّقت بوضوح بين:
• انسحاب يهدف إلى التلاعب أو تعطيل المنافسة.
• وتصرف احتجاجي ناتج عن خرق جسيم لنزاهة المباراة.
وفي أكثر من قرار، اعتبرت المحكمة أن:
“العقوبة القصوى لا تُبرَّر إلا بثبوت سوء النية والقصد التأديبي الواضح”.
وهو ما يضع «الكاف» في مأزق حقيقي:
هل أثبتت في قرارها ضد المغرب القصد التأديبي؟
هل علّلت العقوبة بما يكفي؟
أم اكتفت بتكييف آلي لواقعة معقّدة داخل نص فضفاض؟


ثالثًا: مبدأ التناسب… الغائب الأكبر


من المبادئ التي لا تتسامح معها CAS مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة.
وقد ألغت المحكمة في قضايا متعددة عقوبات لأن:
• الهيئة التأديبية لم تُوازن بين خطورة الفعل والسياق.
• أو تجاهلت الظروف الاستثنائية المحيطة بالمباراة.
وهنا تبرز مفارقة سياسية-قانونية صارخة:
الكاف تُقر علنًا بوجود أزمة تحكيم وVAR، ثم تُصر على معاقبة رد الفعل وكأنه حدث في منافسة مثالية!


رابعًا: التحكيم… من “خطأ بشري” إلى خلل مؤسسي


صحيح أن CAS ترفض عمومًا إعادة المباريات بسبب أخطاء تحكيمية، لكنها تفتح الباب عندما يتعلق الأمر بـ:
• أخطاء جسيمة ومتراكمة
• أو اختلال هيكلي يمس مبدأ تكافؤ الفرص
تصريحات باتريس موتسيبي حول “خيبة الأمل” وضرورة ضخ موارد إضافية للتحكيم لا تُعد مجرد كلام سياسي، بل قد تتحول – أمام CAS – إلى إقرار بوجود خلل سابق.
والإقرار، في الفقه القانوني، سيد الأدلة.


خامسًا: النقد السياسي… الكاف بين القانون وامتصاص الغضب


سياسيًا، يبدو الاجتماع محاولة مكشوفة لـ:
• احتواء الغضب الإعلامي.
• حماية صورة المؤسسة.
• دون الاعتراف الصريح بالمسؤولية.
لكن أخطر ما يمكن أن تفعله «الكاف» هو إدارة الأزمة سياسيًا وترك آثارها القانونية مفتوحة، لأن CAS لا تحاكم النوايا، بل تحاكم النصوص، التعليل، والإجراءات.
وكلما توسّع الخطاب الإصلاحي دون تصحيح قرارات سابقة، تحوّل إلى دليل إدانة غير مقصود.
الخلاصة الحاسمة
اجتماع اللجنة التنفيذية:
• لا يُنصف المغرب بقرار.
• لكنه يهدم الركائز القانونية للعقوبة.
• ويمنح المغرب ذخيرة فقهية قوية أمام CAS.
• ويضع «الكاف» في تناقض بين خطاب الإصلاح ومنطق العقاب.
وبلغة السياسة قبل القانون:
من يفتح ورشة إصلاح النص، يعترف ضمنيًا بأن من عوقِب به، لم يُحاكم بنص عادل.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *