عين على الوطن/ عمود بقلم دكتور محمد رشد شراط.

بعد مرور أسبوع على نهاية كأس إفريقيا بالمغرب، حان الوقت لقراء عقلانية لمكاسبنا من تنظيم هذه الحدث القاريي.
لم تكن كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد بطولة كروية نُظّمت في المغرب، بل كانت اختبارًا شاملًا لصورة الدولة، لقدرتها التنظيمية، ولنموذجها التنموي، ولموقعها في معادلة “القوة الناعمة” إقليميًا وقاريًا ودوليًا.
ورغم خسارة اللقب في النهائي، فإن قراءة موضوعية قائمة على الأرقام والمعطيات تُظهر أن المغرب خرج رابحًا استراتيجيًا من هذه التجربة.

على المستوى التنظيمي، احتضنت 6 مدن البطولة: “الرباط، الدار البيضاء، طنجة، مراكش، أكادير، فاس”،في ملاعب حديثة وبنية لوجستية متكاملة، مدعومة بـ: (شبكة طرق سيارة حديثة، القطار فائق السرعة (TGV)،توسيع طاقة المطارات الوطنية، منظومة نقل حضري قادرة على استيعاب التدفقات الجماهيرية الكبرى)

لم يكن التنظيم نجاحًا تقنيًا فقط، بل كان إثباتًا لقدرة الدولة على إدارة حدث قاري واسع النطاق دون اختلالات هيكلية أو ارتباك مؤسساتي.

اقتصاديًا، تحولت البطولة إلى رافعة تنموية حقيقية: نسبة النمو سنة 2025 بلغت 4.5%، خلق أكثر من 100.000 منصب شغل مباشر وغير مباشر،ارتفاع واضح في الاستهلاك الداخلي، تسارع في مشاريع البنية التحتية.

الاستثمارات الإجمالية المرتبطة بالبطولة قُدّرت بـ حوالي ” 1 مليار يورو”، لكنها لم تتحول إلى عبء مالي، بل دخلت في دورة اقتصادية منتجة، حيث تم تعويض جزء كبير منها عبر: العائدات السياحية، مداخيل التذاكر،النشاط التجاري والخدماتي،تحريك قطاع المقاولات الصغرى والمتوسطة.

والأهم أن “الأثر المضاعِف للاستثمار”بلغ ما بين “1.8 و2″، أي أن كل درهم مستثمر ولّد ما بين درهم و1.8 إلى درهمين من القيمة الاقتصادية غير المباشرة.

على مستوى المداخيل المباشرة:

-مداخيل التذاكر وحدها بلغت 55 مليون دولار (رقم قياسي في تاريخ كرة القدم الإفريقية)
-عدد التذاكر المباعة تجاوز 1.25 مليون تذكرة
-حركية سياحية غير مسبوقة في المدن المستضيفة
-انتعاش قوي لقطاعات النقل، الإيواء، المطاعم، والخدمات

هذه الأرقام تجعل من نسخة 2025 واحدة من “أكثر نسخ كأس إفريقيا للأمم ربحية في تاريخ المسابقة”، سواء للبطولة نفسها أو للبلد المنظم.

رياضيًا، كشفت البطولة تحوّلًا عميقًا في مستوى كرة القدم الإفريقية: منتخبات منظمة تكتيكيًا، بنية لعب حديثة،انضباط بدني وتكتيكي، مشاريع كروية واضحة المعالم

كما برز المغرب كقوة كروية قارية مستقرة، بوجوده ضمن أفضل 8 منتخبات في تصنيف الفيفا، إلى جانب منتخبات إفريقية كبرى أخرى، في مؤشر على انتقال القارة من مرحلة “الموهبة الخام” إلى مرحلة “المنظومة الاحترافية”.

لكن البطولة لم تكن مثالية بسبب النهائي الذي عرف: توقفًا يقارب 20 دقيقة، فوضى تنظيمية ظرفية، توترًا تحكيميًا في لحظة حاسمة. وهي مؤشرات تكشف أن تطور البنية التحتية لا يكفي وحده، دون تطور موازٍ على مستوى القارة السمراء في: الحوكمة الرياضية، إدارة الأزمات، التكوين التحكيمي، الثقافة التنظيمية للمنافسات الكبرى.

ومع ذلك، تبقى الخلاصة واضحة بالأرقام والمعطيات لا بالشعارات:

المغرب ربح:

-معركة التنظيم
– معركة الثقة الدولية
-معركة الصورة
-معركة الدبلوماسية الرياضية
– معركة القوة الناعمة
– ومعركة الاستثمار الاستراتيجي في الرياضة كرافعة تنموية

الخسارة في النهائي مؤلمة رياضيًا، لكنها لا تُغيّر الحقيقة الأساسية:
“المغرب لم ينظّم بطولة فقط، بل قدّم نموذج دولة توظّف الرياضة كأداة سيادية للتنمية، وإعادة التموضع، وبناء النفوذ الرمزي.”

كأس إفريقيا 2025 لم تكن بطولة عابرة في الذاكرة الرياضية بل كانت “تمرين دولة ناجحًا” في توظيف الرياضة كسياسة عمومية،
وكأداة قوة ناعمة، وكمنصة لإعادة تعريف موقع المغرب داخل إفريقيا وخارجها.

فالتاريخ لا يتذكر فقط من رفع الكأس، بل يتذكر من غيّر المعايير…ومن أعاد رسم قواعد اللعبة.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *