الجيش الملكي × الأهلي المصري: العنف الجماهيري وتحديات الحوكمة والانضباط في كرة القدم الإفريقية// عمود عين على الوطن بقلم دكتور محمد رشد شراط
مقدمة
عندما رأيت مشاهد مباراة الجيش الملكي والأهلي المصري، لم أتابع مواجهة كروية بقدر ما شاهدت اختبارًا قاسيًا لقيمٍ طالما تغنّت بها اللعبة. مدرجات انفلتت من عقالها، قارورات ومقذوفات سبقت الأهازيج، ولاعبون يؤدون واجبهم وسط خطرٍ حقيقي. كانت صورًا صادمة تفرض سؤالًا أكبر من نتيجة لقاء: أي كرة قدم نريد؟ وأي صورة نُصدّرها عن قارتنا؟
العنف في المدرجات… حين تغيب الحماية
لم يسلم لاعبو الجيش الملكي من اعتداءات جماهير الأهلي، إذ انهالت المقذوفات دون توفير حماية كافية لعناصر الفريق المغربي. وبين شوطي المباراة، تعرّض أحمد حمودان لاعتداء مباشر، كما استُهدف بقية لاعبي “الزعيم” وحارس مرماه رضا التكناوتي. مشاهد وثّقها مراقب اللقاء بدقة، في انتظار إدراجها ضمن تقرير رسمي يُرفع إلى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
مسؤولية التنظيم قبل لغة التبرير
هذه الوقائع لا تحتمل التأويل ولا تسعفها الأعذار. فالعنف مرفوض، أياً كان مصدره، ومسؤولية المنظمين حماية اللاعبين والجهازين الفني والإداري قبل أي اعتبار آخر. الأمن ليس تفصيلاً ثانويًا، بل شرط وجود المباراة من الأساس. وحين يُترك اللاعبون بلا حماية، تتحول المنافسة إلى مقامرة بسلامة البشر.
عدالة انضباطية أم ازدواجية معايير؟
هنا يطفو السؤال الحاسم: هل ستُتخذ قرارات صارمة في حق الأهلي وجماهيره؟ وهل سنرى إجراءات مماثلة لما طُبق سابقًا على الجيش الملكي حين فُرض عليه اللعب دون جمهور؟ العدالة الانضباطية لا تُقاس بثقل الأسماء ولا بتاريخ الألقاب، بل بتكافؤ العقوبات وتساوي المعايير. أي تهاون اليوم سيُقرأ غدًا كرسالة خاطئة تشجّع التكرار.
ما وراء المباراة: كرامة الضيافة المفقودة
الجرح أعمق من تسعين دقيقة. لماذا تُستقبل الفرق المغربية وجماهيرها داخل ملاعبنا بأقصى درجات الضيافة والاحترام، بينما لا نتلقى المعاملة بالمثل خارج الديار؟ كرة القدم وُجدت لتقريب الشعوب وبناء الجسور، لا لتأجيج الأحقاد وتحويل المدرجات إلى ساحات صدام.
السؤال الأخلاقي قبل الرياضي
وقبل كل شيء، يظل السؤال الأخلاقي حاضرًا بإلحاح: هل تستحق كرة القدم أن يعتدي بعض جماهير فرق من بلدان مسلمة على بعضهم البعض في شهر شعبان، وعلى أبواب رمضان؟ أليست القيم المشتركة:”الاحترام، التسامح، وصون الكرامة الإنسانية”أسمى من نتيجة عابرة أو نشوة انتصار؟
خلاصة الموقف
كرة القدم لعبة تنافس، نعم، لكنها قبل ذلك مسؤولية أخلاقية وتنظيمية. وإذا لم تُحمَ الأرواح وتُصن الكرامة، فلن يبقى من اللعبة سوى ضجيج بلا معنى. اليوم، الكرة في ملعب الجهات الوصية: إمّا قرارات رادعة تعيد الاعتبار لروح اللعبة، أو صمتٌ يُمهّد لمشاهد أكثر قتامة في الاستحقاقات المقبلة.